هل تتحرر حقوق الإنسان من جذورها الغربية؟ وهل يكفّ الغرب عن اتهام الإسلام بـ"العنف"؟ هنا مقاربة لعلاقة الإسلام بحقوق الإنسان

الأربعاء, January 31, 2018
كاتب المقالة: 

"الإسلام يسوق للعنف"،عبارة أصبحت تشكل في يومنا وعصرنا هذا "الشّماعة" التي يعلق عليها الصحافيون وخبراء السياسة وقادة العالم أعمال الإرهاب التي ترتكب باسم الدين.

ومن الشائع جداً اليوم أن نجد في وسائل التواصل الإجتماعي طوفاناً من التعليقات لدعم هذه المقولة وأناساً يستخدمون تعابير من القرآن الكريم لتأكيد المزاعم بأن العنف هو في أساس الدين الإسلامي. وكرد فعل على هذا السيل من التعليقات والمزاعم يجد الكثير من المسلمين حاجةً ملحة لتبرير ديانتهم في مواجهة مزاعم الآخرين، بالرغم من وجود الكثير من الأمثلة التي تؤكد على دور الإسلام كدين محبة وسلام في القرآن الكريم والسنن.

ضمن هذا الإطار يبرز السؤال الآتي: لماذا يحمل المسلمون عبء وواجب الرد على هذه الاتهامات؟ إن مثل هذه التجاذبات تفرض إلقاء الضوء على السياسات التي توجب على المسلمين تصحيح هذه المفاهيم داخل وخارج الولايات المتحدة الأميركية والغرب بشكل عام.

هنالك مواقف ولحظات تاريخية مفصلية عدة أحيت هذا النقاش، كان أبرزها اعتداءات 9/11 في نيويورك، واتهام القاعدة وأسامة بن لادن بارتكابها، ثم ظهور داعش مؤخراً كتهديد إرهابي في سوريا خصيصاً، وفي العالم بشكل أعمّ. نضيف إلى هذه الأحداث، سلسلة من التحولات الإقتصادية و الجيوسياسية، أعطت مبرراً لحرب عالمية على الإرهاب.

كما أعطت صناع القرار في الولايات المتحدة والغرب أداةً جديدة لاستهداف أفراد وجماعات على أساس إثني وديني، الأمر الذي أضاف فصلاً حديثاً السياسات القوية القائمة على فرص وتشكيل المفاهيم الاقتصادية والسياسية على الطرف الآخر المهمش والأضعف، وإلزامه بها وفي الحالة هذه العرب والمسلمون تحديداً. إن الإختلاف، كما قد يبدو للبعض، بين المجموعتين المتناحرتين هو ليس بين دولٍ وشعوب، بل هو مشروع سياسي يتوخّى التفرقة والتقسيم.

نّ عدم التفاهم هذا يشكل خطورة على عدة جبهات: أولاً من منظور إطلاق التعميم المتسرع على مجموعة هائلة من البشر، هم أنفسهم لهم مفاهيمهم الخاصة المختلفة عن ديانتهم، وثانياً لأن هذه التعميمات تأخذ أشكالاً واضحة تتمثل بأعمال التحرش والتمييز العنصري، وثالثاً لأنها تكشف التصدّعات الكبيرة الموجودة في التفسيرات المتعددة للدين نفسه.

كيف ينعكس هذا الامر إذاً على مفاهيم الإسلام في المنطقة؟ وكيف يتم الضغط على العالم الإسلامي للدفاع عن نفسه ضد وصمه بالإرهاب أو بكونه تربة خصبة وحاضنة للإرهاب؟ تحاول هذه المقالة تناول هذه الأسئلة من خلال زاوية خاصة، وهي العلاقة بين حقوق الإنسان والإسلام، وتتخذ من مشروع البرفسور الدكتور زيد عيادات في جامعة الأردن، كنقطة بداية لهذا النقاش

حركة إصلاحية في الغرب وفي العالم الإسلامي

يرى البروفسور عيادات ظهور التطرّف الديني والهيمنة كصراع داخلي ضمن السلطة الدينية نفسها وكنتيجة لعدم وجود حوار بناء بين العالم الإسلامي والغرب، وعليه فإنه لمواجهة هذه القوى الخطرة، تحتاج المجتمعات المعاصرة إلى حركة إصلاحية مزدوجة: حركة داخلية تكون ضمن الدين نفسه، وأخرى خارجية تتعلق بمعالجة كيفية تناول ومقاربة المفاهيم الدينية لدى الآخر.

من المهم هنا الإشارة أنه بينما تتناول المقالة الجهود المبذولة لفهم العلاقة بين الإسلام وحقوق الإنسان ضمن العالم العربي نفسه، فإنّ قيام حركة إصلاحية جديّة في الغرب تبقى ضرورة لا بدّ منها في هذا السياق. فهناك حاجة لتحليل بنية المسلم كهوية على المستويات السياسية والثقافية للرد على حملات التعميم ولفهم قيمة وثراء الحضارة والدين الإسلاميين، وهذه مهمة يجب على المجتمعات الغربية تبنيها بدلاً من إلقاء كامل المسؤولية على العرب والمسلمين.

في مقالته "الإسلام بين التحاور والتعميم" (Islams: Between Dialoguing and mainstreaming)، يؤكد البروفسور عيادات على الدور المركزي الذي يمكن أن يلعبه النقاش في الإسلام وتاريخه، لتسهيل الحوار داخل الدين نفسه وبين الثقافات المختلفة، وهي خطوة يراها عيادات أساسية لإعادة تصويب العلاقة الثنائية بين الإسلام والغرب. وكما يدل العنوان، تنتقد المقالة فكرة الإسلام القائم على تفسير واحد وتستبدلها بتعددية تنبثق من دينامية متحركة لثقافة الحوار الديني، إذا صحّ التعبير.

من وجهة نظر البروفسور عيادات، النّظر إلى الإسلام من خلال إطار المفاهيم الضيقة لا ينصفه، لأنه يقلل من قيمته وتنوعه، ويهمّش دور العقل فيه، ويضعف من قيمة الحوار، كما أنه يدفع به إلى مساحة الإدانة والإتهام. والعقلانية، كما يؤكد عيادات، لا تعني الفصل بين الدين والحياة في المجال العام، بل يمكن أن تكون وسيلة لخلق بيئة تشاركية بين العلماء التقلديين والمواطنين المؤمنين الملتزمين بطريقة جدية يسهل معها التعايش الديني وفهم الدين.

مفهوم الحوار من وجهة نظر محليّة

إن تسويق وتنمية مفهوم الحوار يكون على مستويين: فبينما يكون الأول عبارة آلية داخلية ضمن المجتمع الإسلامي نفسه، فإن الثاني يكون من خلال النقاش الهادئ إلى تبسيط مفاهيم الدين في نظر الآخر تسهيلاً لنقض فكرة التعميم في الدين، وتقوية الإهتمام لديه لفهم مدى عُمق وثراء الدين والمنتسبين له ومعتنقيه، ولدحض النمط السياسي الذي يساوي ويربط الإسلام بالعنف. في هذا الإتجاه يقوم البروفسور عيادات بتدريس مادة الإسلام وحقوق الإنسان في العالم العربي، وفي أماكن كثيرة أخرى كخطوة أولى نحو خلق حوار ديني داخلي.

ي حديث لرصيف22، يقول البوفسور عيادات: "لقد قُمت بتطوير هذه المادة لتعليمها في العالم العربي وفي أماكن أخرى من العالم. وقد سنحت لي الفرصة لتعليمها في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية والأردن. كان دافعي للتفكير بهذا الموضوع، أزمة الهوية في العالم العربي، وكان الدين في الحقيقة في قلب هذا الصراع".

بالنسبة لعيادات، هنالك نقص في آليات التواصل والمعرفة بين الطلبة في العالمين العربي والإسلامي والغرب فيما يتعلّق بالتقاليد الدينية والثقافية وفهمها. وغالباً ما ينتهي الأمر بالفريقين بالاتكاء على معلومات سطحية، غير قادرة على الإحاطة بطبيعة الإسلام الحقيقية.

عن هذا يعلّق عيادات، "ما أحاول أن أفعله من خلال ما أدرسّه هو التعريف بالمكانة الأساسية للإسلام ""original position" المستعارة من الفيلسوف الأمريكي جون رولز. إنّ نظريتي الأساسية ترتكز على أنّه يتوجّب علينا أن نفكّك ونحلل فكرتي الإسلام وحقوق الإنسان ثم إبراز أوجه التشابه بين الإثنتين لخلق أرضية مناسبة نستطيع البناء عليها".

تفسيرات متعدّدة

يلاحظ البروفسور عيادات أن هناك أهميّة لتعليم المادّة في العالمين العربي والإسلامي وفي دول الغرب في آن واحد حتّى يكون التواصل أكثر فعّالية.

ويؤكد أيضاً أنّ هناك اختلافاً جوهرياً بين النص والتفسير في الدين. الفكرة الأساسية هنا تقول بوجود "تعددية" إذا جاز التعبير، وليس إسلاماً واحداً، وبأنّه لدينا القرآن الكريم كمصدر أساسي للدّين إضافة إلى الممارسات والتجارب التاريخيّة وهناك حاجة للتفريق بين الإثنين حسب رأيه. فالإسلام بالنسبة له هو حالة إيمانية قائمة على أساس فردي وما عمّق من دورها السياسي في فترات لاحقة يعود إلى السياقات التي استدعت في حالات شتّى تسييسه لملائمة مصالح السلطات والحكومات وضرورة تنظيم البلاد في أوقات وفترات زمنيّة مختلفة.

هذه "التعددية"، التي لا تزال قائمة الآن، أحياناً تتوافق مع مفاهيم وقيم حقوق الإنسان، وفي أحيان أخرى تتعارض معها: الأولى ممكنة عند إعادة القرآن الكريم وسبر تفاسيره وسياقاتها. وبهذا يعارض عيادات الاعتقاد الذي يروّج له باستمرار وهو أنّ الإسلام وحقوق الإنسان هما في حالة تعارض دائم، كما يشير إلى أنّ فكرة حقوق الإنسان نفسها، لها أيضاً قراءات وتفسيرات تختلف حسب السياقات والسياسات التي تتناولها.

من هذا المنظور، تبدو إشكالية حقوق الإنسان أزمة عالمية، نشعر في العالم العربي، بشكل خاص، بتداعياتها، لأن حكومات الدول العربيّة، مع أنها تتعاطى بنسبة كبيرة مع هذه الإشكالية، إلا أنها تقوم بذلك من منظور انتهازي صرف وليس من مبدأ الإعتقاد الجدّي بقيمتها الفعلية. ما يهمهم حقيقة هنا، بحسب عيادات، هو المحافظة على الأوضاع في حالة جامدة راكدة، وفي المقابل تشجيع ما يخدم مصالحهم الخاصّة بدلاً من حماية حقوق الإنسان في مجتمعاتهم.

هنا ينبغي لنا أن نعاين جذور مشكلة الإنفصال المزعومة بين الإسلام وحقوق الإنسان في العالمين العربي والإسلامي. ففي حين أنّ التعديّات على حقوق الإنسان تحصل في الواقع في العالم كلّه، إلاّ أن حكومات العالم العربي ما زالت تتردد كثيراً في تبنّي القوانين العالمية التي ترعى هذه الحقوق وتنظر إليها على أنّها إحدى وسائل السيطرة الغربية عليها.

هذا الاعتقاد، لا يبرر بالطبع إساءة استخدام السلطة من قبل الأنظمة الدكتاتورية في العالم العربي، ولكنّه يلقي الضوء على خلفية حقوق الإنسان وتشكلها، كظاهرة مركزية غربية، تمّ تبنيها على أساس إقصائي اعتمد تهميش وإلغاء للممارسات والأعراف المحلية لمجتمعات العالم غير الغربية.

ومن هنا تأتي أهميّة تحليل وتفكيك العلاقة التي سبق ذكرها لإلقاء الضوء على الدور الذي يلعبه الدين الإسلامي في مجال حقوق الإنسان.

"الإسلام العقلاني العلماني المتحرر" والإصلاح

ومن هنا أيضاً تبرز الحاجة لإعادة تقييم مقاربتنا للدين للوصول إلى مجتمع أكثر ديمقراطية وانسجاماً وإيماناً بتعايش الأصوات والآراء المختلفة، قادر على تبنّي الحقوق الأساسية والشرعية لمواطنيه، ومن هذا المنطلق، يقدّم البروفسور عيادات نفسه ضمن قائمة الإصلاحيين الذين يؤمنون بأهمية الحركة الإصلاحيّة في الإسلام وضرورتها لتحقيق نهضة عربية فاعلة وحيويّة.

يعتبر البروفسور عيادات الإصلاحيين العرب الآوائل (نهاية القرن الـ18 وخلال الـ19) ملهمين أساسيين في مجال إعادة التفكير بالدين الإسلامي وعلاقته بحقوق الإنسان؛ ويشير إلى الشيخ محمد عبدو وجمال الدين الأفغاني كإصلاحيين ناقشا بعمق ما يجب إصلاحه في المجالات العسكرية والثقافية والصحيّة وحقوق المرأة وغيرها من المسائل، للوصول إلى مجتمع أكثر ديمقراطية وتوافقاً.

كما أنه يلقي الضوء على مساهمات الإصلاحيين الجدد الذين برزوا في السنوات الأربعين الأخيرة من أمثال الدكتور رضوان السيّد والدكتور عبدالله أحمد النعيم الذين أعادوا قراءة الإسلام، وفتحوا بذلك مجالات جديدة لمقاربة تواريخ العالم العربي وثقافته.

يعقّب عيادات على تلك النقطة، فيقول: "يجب تسمية الأشياء بأسمائها"، ويضيف: "أعتبر التصدّي لهذه المعضلة واجب ومسؤولية أخلاقية على العلماء والمفكرين الالتزام بها، كما أنّنا نملك الحق في قراءة الإسلام بحريّة وانفتاح لتقديم تفاسير جديدة تتلائم مع متطلبات المجتمع." ويقترح بهذا الخصوص، نموذجاً جديداً للإسلام يطلق عليه "الإسلام العقلاني العلماني المتحرر": فهو "عقلاني" لأنّه يأخذ بالاعتبار قدرة الإنسان على التفكير والتحليل؛ و"متحرر" لأنّه يعطي الفرد القدرة على اختيار مساره بنفسه؛ و"علماني" لأنّ هذه الأخيرة هي الطريقة الوحيدة لبلوغ القيم الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان.

Description: https://cdn.raseef22.com/wp-content/uploads/2018/01/INSIDE_IslamAdnTerror_BCN.jpg

ويضيف عيادات: "لدينا حالياً ما يسمّى أشباه دول إذا ما استثنينا البعض. كما أن هنالك حقائق اجتماعية وسياسية وثقافية تحتاج إلى إعادة نظر". وبالرغم من الأوضاع الصعبة التي تهيمن على الدول العربية والإسلامية، فإنّ الفرصة لا زالت سانحة للمفكرين للدفع بإتجاه الإسلام العقلاني العلماني المتحرر كبديل لحال الجمود المسيطر حالياً

الإسلام من منظور حقوق الإنسان

إن مناقشة الإسلام وحقوق الإنسان أو بالأحرى كيف ينعكس الإسلام في "منظور" حقوق الإنسان هو أمر بالغ الأهمية في وقت تنقسم فيه المنطقة في محاور سياسية واجتماعية واقتصادية وعرقية ودينية. فالإصلاح الذي يحاكي ويعالج المفاهيم التي بني عليها الدين على المستويات الكبرى والصغرى على حد سواء ضروري وملحّ.

من المؤكد أن عملية الإصلاح ستواجه تحديّات كثيرة، قد يكون أهمها التردد لدى المجتمعات بقبول الإسلام الجديد (إذا جاز التعبير) بمفاهيمه وتفسيراته والقلق إزاء قدرته على أن يكون عابراً للمنطقة وموحّداً لها. أمّا بالنسبة لإيجاد البيئة المناسبة للنقاش، فإنّ خطوات ومشاريع شبيهة بالمادّة التي يدرسها البروفسور عيادات عن الإسلام وحقوق الإنسان، هي أساسية ومهمّة كجسر بين الدين وكيفية تقبله على المستوى العالمي.

تبقى المسألة الأهم هي في كيفية إخراج الإشكالية من إطارها الأكاديمي الصرف إلى الجمهور الأوسع، خصوصاً في ظل الهجمة الإعلامية المشوّهة لصورة الإسلام والمسلمين من جهة، والقلق تجاه الإسلام المتطرف ضمن المجتمعات العربية من جهة أخرى.

في النهاية وبقدر ما نحن بحاجة لتفكيك رموز العلاقة الثنائية بين الإسلام والغرب، فإنه من الأساسي والمهم في نفس الوقت أن يتحمل الغرب مسؤوليته الأكبر: حيث يتوجّب عليه القيام بإصلاحات جدّية وجذزرية، تتناول مشكلة التعميم المتسرّع للمسائل الخلافية، والجهل بثقافات العالم وأديانها، والحملات الإعلامية الكاذبة والمغرضة ضد العالمين العربي والإسلامي، والاستهداف غير المبرر وغير الأخلاقي للأفراد والجماعات، وغيرها من الممارسات والتوجهات الجاهلة والمجحفة بحقّ الشعوب.

لا بدّ للغرب، في المقابل، التركيز على ما يشجّع على فهم أعمق وأكبر لتاريخ الحضارة والعربية والإسلامية، ولباقي حضارات العالم.

لقد آن الأوان لأن ننقل مفهوم حقوق الإنسان من قاعدته المرتكزة على مفاهيم الغرب وقوانينه، إلى واقع ثقافي عالمي أرحب يحاكي تطلعات كل مجتمعات العالم ويخدم الإنسان أينما كان.

المصدر: 
رصيف 22
موضوع المقالة: 

معلومات المقالة