من الانفعال الغريزي إلى الفعل الإرادي

الخميس, December 7, 2017
كاتب المقالة: 

الكائنات كلها، من الذرة إلى المجرة؛ تتغير وفق قوانين ثابتة تحكم صيرورتها، وترسم مآلاتها.. وحده الإنسان يمتلك- إلى جانب التغير الغريزي المفطور عليه من خالقه- القدرة على التغيير الإرادي، بقرار منه يتخذه بعد تفكير وإعمال لعقله الذي خصه به الخالق من دون سائر الكائنات.. وبهذا العقل جعله خليفة له في الأرض، في احتفالية كبرى حشد لها ملائكته وأسجدهم له، فسجدوا جميعاً إلا إبليس أبى واستكبر؛ متحدياً ومتوعداً أن يتولى إضلاله وتنمية نزعة الشر لديه، وهي النـزعة التي توجس الملائكة أن تقوده إلى الفساد وسفك الدماء..

إن علينا- لكي ندرك خطورة اللحظة التاريخية التي نعيشها- أن نراجع سجلات التاريخ، لنرى أننا خرجنا منها منذ أكثر من قرن، فالتاريخ إنما يخصص صفحاته لأولئك الفاعلين الذين يقودون التغيير، ويتركون بصماتهم، وآثارهم فيه، ولا يأبه بالمنفعلين المتثائبين، إلا عرضاً من خلال صناع التغيير!!

وبهذه القراءة وهذا المعيار؛ يمكن أن نقرأ خسائرنا التي سبق أن منينا بها في الأندلس، ثم منينا بها حاضراً في فلسطين!!

" فلسطين عربية، وستبقى عربية ولو أطبقت عليها شعوب الأرض" شعار أطلقنا به حناجرنا في مطلع حرب فلسطين ؛ عام 1948، لكن فلسطين التي كانت عربية؛ نسبة اليهود فيها لا تجاوز 10% من سكانها العرب، لم تبق عربية، واسمها (فلسطين) الذي حملته على مر التاريخ، تحول إلى (إسرائيل)، على الرغم من حجب أعيننا عن النظر إلى كل كتاب أو خريطة تحمل هذا الاسم، ومكاتب مقاطعة إسرائيل، لم تحل دون تسابق دولنا العربية إلى إقامة علاقات بدأت مكاتبَ تجارية، وانتهت سفارات دبلوماسية؛ ترفع أعلام إسرائيل في بعض عواصمنا!!

وهذا – لعمري- أنصع دليل على أن الانفعال الغريزي العشوائي؛ لا يمكن أن يقف في وجه الفعل الإرادي المنظم، وأن حرارة قصائد المديح والفخر بالآباء لا يمكن أن تواجه لفح الشتاء وعجفه، كما جاء على لسان النملة في درسها القاسي الذي لقنته للصرصور؛ عندما جاءها يتسول قوته في فصل الشتاء، فأجابته: " أيام الحصائد كنت تغني القصائد"..

لم تكتف إسرائيل بما تكسبه من سياسة الفضم المتواصل للأرض، بل راحت تعمل على محو قضية فلسطين من الذاكرة العربية، وتلميع باطل إسرائيل في الوجود؛ لتكسوه لباس الحق في الضمير العالمي..

وعلى الرغم من قناعتي بأن للباطل جولة وتزول، وأن فلسطين سبق لها أن استعادت عروبتها وقدسية (أقصاها) ثالث الحرمين الشريفين؛ على يد صلاح الدين في حطين التي أنهت مئتي عام من الحروب الصليبية، فإني أومن بأن حطين لم تكن البداية، إنما كانت نتيجة جهود بذلت على مدى عقود، لإعادة بناء مجتمع مزقته الصراعات وشلت فاعليته.

 وبهذه القناعة الراسخة عندي، أرى ما تعج به اللحظة الراهنة من صراعات عشوائية؛ كانت ضرورة من ضرورات قيام إسرائيل؛ تم فيها إقصاء المجتمع عن دائرة الفعل، ووأد الأجنة الديمقراطية التي كان المجتمع الوليد الخارج لتوه من الاستعمار؛ يسعى لاستيلادها.. ولا بد للخروج من آثار الفعل الإسرائيلي المخطط والمبرمج على مدى عقود؛ من فعل عربي مضاد ؛ مخطط ومبرمج، لاستعادة المجتمع فاعليته، وتوفير المناخ الملائم لنمو الأجنة الديمقراطية، ألا وهو مناخ كف الكيد في الداخل، وإعادة توجيه البندقية للخارج، وإفساح المجال لصراع الأفكار.

محمد عدنان سالم

الاثنين 30 / 3 / 2015 

المصدر: 
دار الفكر
موضوع المقالة: 

معلومات المقالة

إضافة تعليق

You must have Javascript enabled to use this form.