معايير السعادة والأطفال الأكثر سعادة عالميا

الأحد, August 20, 2017
كاتب المقالة: 

السعادة مفهوم معياري لا يمكن رصده بدقة وقياسه قياسا نهائيا علميا، فهي أشبه ما تكون بحالة ذهنية مرتبطة بالفرد والظروف المعيارية المحيطة ولذلك فإن رصدها يكاد يكون صعبا. ولكن هناك مجموعة من المعايير التي يمكن أن تسهم تجاه هذا المفهوم منها الصحة والتعليم والسلامة والاستقرار المالي. وهذه يمكن ان تحدد إذا اجتمعت معا مفهوم رفاه الحياة المتوازنة التي يمكن ان تؤدي إلى ظروف السعادة المعيارية.

وانطلاقا من ذلك يتبادر للذهن أن معظم الدول الغنية تنطبق عليها ظروف الرفاه التي تؤدي لحالة من السعادة حيث تكثر بها الموارد والفرص للأطفال للتعلم والنمو والازدهار بالرغم ان هذه الصورة النمطية لها استثناءات. وقد اجرى مكتب اليونيسيف دراسة حدد بموجبها معايير السعادة للأطفال على29 دولة تعد الأكثر تطورا وأعلى رتبة لرفاه للطفل عموما. واستبعدت من الدراسة الكثير من الدول بسبب إرسال بيانات غير موثوقة منها استراليا وبلغاريا وتشيلي وقبرص واليابان ومالطا والمكسيك ونيوزيلندا وكوريا وتركيا. ولكن أثبتت الأبحاث المتوفره أن هناك علاقة تذكر بين إجمالي الناتج المحلي ونصيب الفرد ومستوى رفاه الطفل. ولكن لوحظ في بعض البلدان الغنية استثناءات من ذلك عند مقارنة معدل الفقر بين الأطفال بالنسبه لاقتصاد الدولة المتقدمة مثل إيطاليا وأسبانيا، وكذلك في الولايات المتحدة حيث لم يؤد الازدهار الاقتصادي بالضرورة إلى تأمين الرفاه والسعادة للأطفال لكونهم من المواطنين الشباب الأكثر عرضة للمخاطر – الجسدية والنفسية ومشاكل الإدمان.
**

تصنيف اليونسيف ومعايير السعادة العالمية
تخلص الدراسة الحديثة التي أجريت عام 2016 إلى أن هولندا وثلاثة بلدان من شمال أوروبا – فنلندا وأيسلندا والنرويج – تحتل أعلى المراتب في جدول رفاه الطفل بين البلدان البالغ عددها 29 والتي شملتها الدراسة ، في حين أن هناك أربعة بلدان من جنوب أوروبا تشغل أدنى المراتب وهي اليونان وإيطاليا والبرتغال وإسبانيا. والتصنيف العالمي هو جزء من دراسة صندوق الأمم المتحدة للأطفال بعنوان “بطاقة تقرير 11: رفاه الطفل في الدول الغنية”، التي ترصد إنجازات اقتصادات العالم الأكثر تقدما. وقد وجدت الدراسة أن الفقر بين الأطفال في هذه البلدان عرضة بشكل خاص لسياسات الحكومات، ويحذر من التدابير التي تؤدي إلى قطع الخدمات والحماية للأطفال، لأنهم يشكلون الفئة الأكثر عرضة للمخاطر.
وقد حددت الدراسة خمسة أبعاد مستخدمة لرفاه الأطفال: أهمها الرفاه المادي، والصحة والسلامة، والتعليم والسلوكيات والمخاطر، والإسكان والبيئة. وتشكل أبعاد السلوكيات والمخاطر واحدة من أكثر الأبعاد صعوبة في تحديد ماهيتها. فقد شملت العوامل التي تم تقييمها النسبة المئوية للأطفال الذين يعانون من زيادة الوزن أو الذين يتناولون وجبة الإفطار كل يوم. وتم استخدام مؤشرات مثل معدل الخصوبة في سن المراهقة، ومعدل تناول الكحول والتعرض للعنف. وقد وجدت الدراسة أن كندا واليونان والولايات المتحدة تحتل أعلى المستويات في ظاهرة البدانة في مرحلة الطفولة تصل إلى 20 في المائة. وفي الوقت نفسه، تتصدر رومانيا، والمملكة المتحدة والولايات المتحدة أعلى معدلات الاطفال في سن المراهقة. وعلى الجانب الإيجابي، فإن الأرقام الإجمالية لهذه البلدان تظهر أن 92٪ لا يدخنون السجائر. كما أن الدراسة لم تجد علاقة قوية بين دخل الفرد ورفاه الطفل حيث تأتي سلوفينيا في مرتبة أعلى من كندا، وتأتي جمهورية التشيك في مرتبة أعلى من النمسا، وتأتي البرتغال في مرتبة أعلى من الولايات المتحدة الأمريكية. وتوضح القائمة التالية نتائج دراسة اليونيسف والأطفال الأكثر سعادة في العالم اعتمادا على المعايير الخمسة.

**
التصنيف العالمي لرفاه الأطفال

10- أيرلندا
من خلال دراسة اليونيسف، احتلت أيرلندا المرتبة العاشرة العالمية للأطفال الأكثر سعادة، والتي تبلغ في المتوسط 11.6 عموما لرفاه الأطفال بالنظر لجميع الفئات. وتحتل أيرلندا المرتبة ال17 للرفاه المادي للأطفال، والمرتبة ال15 للصحة العامة والسلامة، والمرتبة ال17 للمشاركة الطبقية والإنجاز؛ والمرتبة ال7 للسلوكيات والمخاطر، والمرتبة الثانية للسكن والبيئة. ويبلغ إجمالي الناتج المحلي للفرد في ايرلندا 41،300 $ وتصل نسبة معدل الفقر بين الأطفال تحت 10 بالمئة .
9- بلجيكا
احتلت بلجيكا المرتبة التاسعة عالميا للأطفال الأكثر سعادة، بمعدل 11.2 عموما لرفاه الأطفال. واحتلت المرتبة الثالثة عشرة من أصل 29 بلدا شملتها الدراسة للرفاه والصحة والسلامة، والمركز الثاني لمستوى التحصيل العلمي، والمرتبة ال14 للسلوكيات والمخاطر والسكن والبيئة. ويبلغ الناتج المحلي الإجمالي في بلجيكا للفرد 800،37 $، وتصل نسبة الفقر بين الأطفال أكثر من 20 بالمئة.
8- سويسرا
احتلت سويسرا المرتبة الثامنة عالميا للأطفال الأكثر سعادة، بمعدل 9.6 لرفاه الاطفال، والمركز ال11 لحالتهم الصحية والسلامة؛ والمركز ال16 لمستوى التحصيل العلمي، والمركز ال11 للسلوكيات والمخاطر، والمركز الأول لنوعية السكن والبيئة، ويبلغ الناتج المحلي الإجمالي للفرد في سويسرا 46،000 $ ومعدل الفقر بين الأطفال تحت 10 بالمئة .
7- لوكسمبورج
احتلت لوكسمبورج المرتبة السابعة عالميا للأطفال الأكثر سعادة، بمعدل 9.2 عموما لرفاه الأطفال، والمرتبة الرابعة للصحة والسلامة، والمركز ال 22 لمستوى مشاركة الأطفال التعليمية والإنجاز؛ والمركز التاسع لمستوى السلوكيات والمخاطر، والمركز الخامس لجودة سكن الطفل والبيئة .
6- ألمانيا
احتلت ألمانيا المرتبة السادسة عالميا للأطفال الأكثر سعادة، واحتلت المركز ال11 للرفاه المادي للأطفال، والمرتبة ال 12 للصحة والسلامة، والمرتبة الثالثة للتحصيل العلمي، والمرتبة السادسة للسلوكيات والمخاطر، والمرتبة الثالثة عشرة لنوعية سكن الطفل والبيئة، والناتج المحلي الإجمالي في ألمانيا للفرد 39،500 $، ويبلغ معدل الفقر بين الأطفال دون 10 بالمئة .
5- السويد
احتلت السويد المرتبة الخامسة عالميا للأطفال الأكثر سعادة، والمرتبة الثانية لصحة وسلامة الأطفال، والمركز ال11 للتحصيل الدراسي ، والمركز الخامس لسلوكيات الطفل والمخاطر، والمرتبة الثامنة للإسكان ونوعية البيئة, ويبلغ الناتج المحلي الإجمالي في السويد للفرد 900،40 $، ويبلغ معدل الفقر بين الأطفال أقل من 10 في المئة .
4- فنلندا
احتلت فنلندا المرتبة الرابعة عالميا للأطفال الأكثر سعادة، واحتلت المركز الثاني للرفاه المادي للأطفال، والثالث لمستوى صحتهم وسلامتهم، والرابع لمستوي التحصيل والعلمي، والمركز الثاني عشر للسلوكيات والمخاطر، والسادسة للإسكان والبيئة. ويبلغ الناتج المحلي الإجمالي للفرد 900، 35 $، ويبلغ معدل الفقر بين الأطفال أقل من 5 بالمئة.
3- أيسلندا
احتلت أيسلندا المرتبه الثالثة عالميا للأطفال الأكثر سعادة، والمرتبة الرابعة للرفاهية المادية، والمرتبة الأولى للصحة والسلامة، والمرتبة العاشرة للتحصيل العلمي، والثالثة للسلوكيات والمخاطر، والسابعة لنوعية السكن والبيئة. ويبلغ الناتج المحلي الإجمالي للفرد 700،40 $، ومعدل الفقر بين الأطفال تحت 10 بالمئة .
2- النرويج
احتلت النرويج المرتبة الثانية عالميا للأطفال الأكثر سعادة، واحتلت المرتبة الثالثة للرفاهية المادية، والمرتبة السابعة للصحة والسلامة، والسادسة للتحصيل الأكاديمي، والرابعة للسلوكيات والمخاطر، والثالثة لنوعية السكن والبيئة. ويبلغ الناتج المحلي الإجمالي للفرد 55،400 $ ، ومعدل الفقر بين الأطفال أقل من 10 بالمئة
1- هولندا
احتلت هولندا المرتبة الأولى عالميا للأطفال الأكثر سعادة، وحصلت على المرتبة الأولى للرفاه المادي للأطفال، والخامسة للصحة والسلامة، والأولى في الإنجاز والمشاركة الأكاديمية ، والأولى في السلوكيات والمخاطر، والرابعة للإسكان والبيئة. ويبلغ والناتج المحلي الإجمالي للفرد 400،41 $ ، وفي معدل الفقر بين الأطفال احتلت المرتبة الثانية بعد فنلندا بما يزيد قليلا عن 5 بالمئة .

***

الفضاء كحافز للتفاعل الاجتماعي
التصنيفات الخمسة التي اعتمدتها دراسة اليونسيف شملت معيارا مهما يتمثل في البيئة المحيطة والإسكان، وهو ما يشكل مجالا مهما للدراسات الحضرية رغم ندرتها وقلة الاهتمام بها على المستويين العمراني والتخطيطي في الكثير من الدراسات والتطبيقات. ومن المفيد هنا الربط الوثيق بين البيئة الحضرية المحيطة وبين المفاهيم الاجتماعية التي تكوّن الصورة الذهنية عن المجتمع المحيط لدى الطفل، فضلا عن تكوين مفاهيم التكافل الاجتماعي والإيثار والترابط الأسري وحسن الجوار وما يرتبط بها من قيم وعادات سلوكية مهمة تحدد لاحقا علاقة الطفل بمن حوله. وهذه الأخيرة كانت مجالا خصبا للدراسات والأبحاث التي وبالضرورة لا بد وأن تنعكس على التخطيط والتصميم العمراني والحضري.
وقد سبق الإسلام بتشريعه الكثير من دراسات علماء الاجتماع لتحديد اهمية مفهوم التضامن الاجتماعي وتحديد علاقة الفرد بالمجتمع في بيئته المحيطة وكانت الأحاديث النبوية الشريف التي تحض على علاقة حسن الجوار والتكافل والتضامن الاجتماعي كثيرة لا حصر لها والتي ربطت الإيمان بالله واليوم الآخر بعدم إيذاء الجار وفي السلوكيات الحسنة بين الجيران لدرجة تفقدهم في أحوالهم من عسر ويسر. وهذه الأحاديث النبوية الشريفة والحض على الجار مجال مباحث منفصلة على مستويات متعددة منها اجتماعي ونفسي سلوكي وتقويمي لها ابعاد وآثار نفسية عميقة في تنشئة الطفل لا بد من رصدها وآثارها اجتماعيا وفرديا على حد سواء.
وفي مجال علوم الاجتماع التي شكلت اسسا مهمة لدراسات حضرية عمرانية لمحاولة فهم العلاقة اللصيقة بين بنيوية الفراغ العمراني الحضري كانت هناك الدراسات الاجتماعية مثل التي قام بها دوركهايم، حيث انعكست الجوانب المكانية على المجتمع في أعماله. ومن ابرز من درس علاقة الفراغ الحضري بالبعد الاجتماعي اعتمادا على دراسات دوركهايم كان بيل هيلير وهانسون في كتاب (The Social Logic of Space) أو المنطق الاجتماعي للفراغ. ويعتقد هيلير وهانسون أن علمه النظري بشكل عام، وخاصة عندما يتناول التضامن الاجتماعي، وأن دراسته موحية عميقة. ويستمد دوركهايم فكرة التضامن الاجتماعي من الترابط بين ما يسميه الضمير المشترك و “الضمير الشخصي حيث انه ” إذا كان هذا الترابط يقوم على أوجه التشابه، فإنه يطلق عليه “التضامن الميكانيكي”، وإذا كان يقوم على الترابط أو الاختلاف، يطلق عليه “العضوي”. وبنفس الطريقة، يقترح هيلير وهانسون مقارنة مماثلة لتحديد المنطقي في المجتمع.
ويحدد هيلير وهانسون جوانب “مكانية وعبر الحدود” المرتبطة بالتشكيل الاجتماعي، حيث يكون هذا الأخير جزءا لا يتجزأ من الهندسة المعمارية في شكل مكاني أو تخطيط، يمكن تتبعها أو استرجاعها من خلال دراسة منطق مجتمع الفضاء والعلاقة المتبادلة .يستخدم هيلير وهانسون مصطلح “اللغة المورفولوجية” “كتحقيق بنية مجردة في العالم الحقيقي. إنهم ينقلون معنى ليس بمعنى تمثيل شيء آخر، ولكن بمعنى تشكيل نمط ” وبالتالي، فإن نهج نظرية هيلير يقوم على الرياضيات للكشف عن أوامر وأنماط داخل الهياكل المكانية عن طريق تحويلها إلى شكل رياضي مجرد. ومن خلال القيام بذلك، يتم تحديد بعض الأنماط الاجتماعية المكافئة المضمنة في التخطيط المكاني وتفسيرها وفقا لذلك إذا كانت مثل هذه الأنماط الاجتماعية والتنظيم المكاني ضمن إطار “اللغات المورفولوجية”.
ويجادل هيلير وهانسون بأن المباني لا تعبر فقط عن المعنى الاجتماعي، بل إنها تشكل المعنى من خلال ترتيب الفضاء. وبناء على ذلك، فإن المباني ليست مجرد كائنات بل تحولات في الفضاء من خلال الأشياء”. ولذلك، فإنها تمتلك وجودا مكانيا وزمانيا في العالم الحقيقي بسبب وجودها المادي، ولكن يجب أن يكون هناك قواعد معينة تحكم طبيعتها الزمانية المكانية بالإشارة إلى تصنيفات دوركهايم، استنادا إلى ظهور أنماط أو أنواع على ترتيب ثابت، يمكن للمرء أن يحدد “الأنماط الجينية” إما من الوسائل أو الغايات.
وتكشف دراسات “الفراغ المكاني” التي أجريت مؤخرا عن تكوين البيوت المحلية، وأبرزها هانسون، أن القيم الاجتماعية المضمنة في النموذج المبني يمكن استرجاعها بطريقة قوية جدا من خلال الاستفادة مما يعرف بالأنماط الوظيفية التي يمكن العثور عليها عندما يحدث نمط ثابت بين مجموعة من عينة لحالات دراسية. فالعلاقة بين الشكل والوظيفة في الهندسة المعمارية هي قضية أساسية. ومع ذلك، فإن هذه العلاقة إلى حد كبير تؤثر في المستخدمين أو الناس الذين يعيشون ولها عواقب كبيرة في حال تشكيل الفضاء الحضري بطريقة تؤثر سلبا على سلوكيات القاطنين – والأطفال بدرجة أساسية نظرا لأنها تشكل أساسيات نظرتهم عن البيئة المحيطة في أولى سنوات حياتهم. وللحديث بقية

بعض المراجع المفيدة لمادة المقال
Bartlett, S., Hart, R., et al, (1999), ‘Cities for Children: Children’s Rights, Poverty and Urban Management, Earthscan, London.
Durkheim, E., (1968), ‘The Division of Labour in Society’ , Collier-Macmillan Ltd, London.
Hanson, J, (1998), ‘Decoding Homes and Houses’, CUP, Cambridge.
Hillier, B & Hanson, J, (1984), ‘The social logic of space’, CUP, Cambridge

المصدر: 
الملحق الثقافي لـ جريدة " الوطن" العمانية
موضوع المقالة: 

معلومات المقالة