"ما يعنيه القرآن ولماذا هو مهم"... منظور غربي جديد "لمن ظنّ أنه فهمه"

الخميس, December 28, 2017
كاتب المقالة: 

"ما يعنيه القرآن ولماذا هو مهم"،هو عنوان الكتاب الذي خصصه المفكر الكاثوليكي البارز غازي ويلز لقراءة القرآن والتعمق في شرحه، بأسلوب جديد بدا متحرراً من الإسقاطات الغربية السابقة، كما من أبعاد الاجتهادات الإسلامية في مقاربة هذا الكتاب المقدّس. في كتابه، كما في المناقشات اللاحقة التي قام بها، يغوص ويلز في عمق النص القرآني بروح الاستكشاف الخام لكن بعين الباحث الثاقبة.

يقدّم نفسه متخففاً من نزعته الكاثوليكية، توازياً مع إدراكه لتأثير الأحكام المسبقة (الغربية تحديداً) التي ربطت القرآن بالإرهاب، لتكون النتيجة كتاباً، لا يجعل قراءة القرآن سهلة أو دقيقة، لكنه يفتحها على تجربة مثيرة للاهتمام لكل من يرغب باستكشافه بعين مختلفة.

قبل عرض ما توصل إليه ويلز في كتابه، قد يسأل كثر عن الخلفيات التي دفعت شخصاً أمضى معظم حياته يكتب عن المسيحية للخوض في مثل هذه التجربة، وقد يشكك البعض في نوايا مفكر مثله حتى من دون قراءة الكتاب.

لكن نتائج الأخير، وإن احتملت النقاش والنقد الذي سنأتي عليه لاحقاً، فهي تقدم القرآن بعين غربيّة مغايرة للمعتاد، وهذا ما يُحسب لويلز في كتابه الذي صدر مؤخراً.

"لماذا قررت أن تكتب عن القرآن الآن"؟

"العار"، كان هذا جواب ويلز عن السؤال أعلاه الذي طُرح عليه.

يشرح كيف تركّز النقاش بعد أحداث أيلول على "كره المسلمين لنا" وتسبّبهم بتلك الكارثة، بينما في نقاش له مع أصدقاء أكاديميين حول ما إذا كان القرآن المتسبب في ذلك، تبيّن أن أحداً منهم لم يقرأه، حتى أولئك الذين تخصصوا في العلوم الدينية.

مدفوعاً بالقلق من انخراط أمريكا أكثر فأكثر في العالم الإسلامي، من دون أن تعرف ماذا يفكر فعلاً، ومن انتشار خطاب الكراهية الذي اختصر الـ1.8 مليار مسلم المنتشرين في العالم بعبارة "إنهم يكرهوننا"، قرر ويلز أن من الأفضل أن يواجه هذا الخطاب الخاطئ بطريقة ما"، حسب قوله... فكان الكتاب.

ماذا يقول القرآن، حسب فهم ويلز، عن الجهاد والشريعة والحروب؟

كان ثمة وقت لم يكن يحتاج فيه الأمريكيون العاديون لمعرفة الكثير عن الإسلام. ولكن لم يعد هذا الواقع ملائماً لعدم المعرفة.

"لقد انخرطنا في أطول حرب شهدها تاريخنا من دون أدنى معرفة لدينا بالحضارة الإسلامية التي نتعامل معها. تتم تغذيتنا باستمرار بمعلومات خاطئة عن هذا الدين باعتباره دين إرهاب، واعتبرنا كتابه المقدّس دليلاً للإرهابيين"، يقول ويلز.

يوضح لاحقاً أن أفضل طريقة للمواجهة كانت في ذهابه عبر ممرات محيّرة، لكن بعقل منفتح، للخوض في مواضيع جدلية كالحجاب والنسوية الإسلامية وتعدد الزيجات والحروب والتكفير... التي يستند عليها كثر لوصف الإسلام كدين عنف.

فوجئ ويلز، حسب قوله، أن الإسلام دين شامل جداً (غير إقصائي)، بل أكثر شمولية من المسيحية واليهودية. الأخيرة لديها شعبها المختار وكذلك المسيحية، أما المختارون في القرآن فهم جميع الموحدين أو أياً منهم. من يتم إقصاؤهم هم فقط الملحدين أو المشركين.

"إذاً التوحيد مقابل الإشراك هو القضية الجوهرية في القرآن"، يقول ويلز.

كما يلفت إلى كلمة الجهاد. يقارنها بالحروب الصليبية التي يمجدها الغرب بينما صورتها ملطخة بالدماء في الوجدان العربي. الجهاد بالنسبة إلى ويلز لم يعن "الحرب المقدسة" بل "السعي"، وقد يكون سعي الإنسان لمواجهة أخطائه ونواقصه.

أما العنف فيرى أن القرآن حدّد استخداماته ودعا لـ"الامتناع عنه كلما أمكن"، وبينما يركّز كثر على الآيات التي تدعو للعنف، يجد الباحث أن المضمون العام للقرآن يحث على الرحمة والمغفرة، لا الحرب.

وبخصوص الشريعة، الذي اكتشف أنها واردة مرة واحدة في القرآن، فيؤكد ويلز أنها لا تعني القانون إنما المسار، والذي يطمئن الله من خلاله نبيّه أنه على الطريق الصحيح، ويحثّه على المضي بحمل الرسالة.

لكن الشريعة لاحقاً اتخذت وجوها متعددة، اختلفت بين السنة والشيعة، وتحولت "الطريق الصحيح" إلى قانون صارم، ومصدر سلطة وقوة... وجدل.

وهنا ينتقد ويلز الأصوات الأمريكية التي تحذر من تغلغل الشريعة في الحكومة، موضحاً أن هؤلاء لا يدركون ما كانت تعنيه الشريعة في الماضي ولا ما تعنيه اليوم.

وعن الحجاب والنساء؟

اكتشف ويلز كذلك أن القرآن يدعو النساء والرجال على السواء إلى الاحتشام، لكنه لم يذكر الحجاب، كما لم يجعله فرضاً. كما أن تعدد الزوجات كان سائداً قبل الإسلام.

ولأن التعدد كان سائداً، من هنا كان جزءاً من الدعوة إلى تأديب المرأة هو هجرها في السرير، وهذا يعني حرمانها من امتياز رفقة الرجل لها مقارنة بنسائه الأخريات. أما الضرب فكان كذلك ممارسة سائدة آنذاك، ولم يأت إلا كخيار أخير غير مستحب في التأديب.

كما يشير الباحث إلى مسألة مهر المرأة الذي يبقى من ضمن أملاكها، وكان يعطيها سلطة آنذاك في الضغط على الرجل، ومن خلال حقها في طلب الطلاق يمكنها تهديد الرجل بسحب مهرها من نظامه التشغيلي. وهذه سلطة رأى فيها ويلز جزءاً من النسويّة الإسلامية التي ضمنها القرآن.

ولكن ما الجديد الذي يقدمه الكتاب؟

المسلم المتشبّع بالمفاهيم الإسلامية، قد يرى في كتاب ويلز كتاباً سطحياً، استشراقياً، وحتى طفولياً في مقاربة دين مركّب كالدين الإسلامي.

لكن، هنا تقول ليزلي هازلتون في مقال لها في "نيويورك تايمز" إن مسيحيين كثر قبل ويلز حاولوا قراءة القرآن لكنهم لم يتمكنوا من فهمه.

تضرب المثل بالمؤرخ الشهير توماس كارلايل الذي وصف النبي محمد بأنه من أعظم شخصيات التاريخ، لكنه اعترف بأن فهم القرآن شديد الصعوبة.

ثم تستند صاحبة كتاب "المسلم الأول: قصة محمد" إلى تجربتها الشخصية في محاولة قراءة ترجمات عدة للقرآن في معرض بحثها عن حياة الرسول، لتقول إنه يبدو كتاباً قصيراً قد يُقرأ خلال ساعات لكنه ليس كذلك.

ثم تشير إلى سهولة إخراج الأمور من سياقها بالطريقة التي كتب بها كما فعل معظم من قرأوا الكتاب، ثم اخترعوا أموراً غير موجودة فيه كمكافأة المؤمن بـ72 من حور العين في الجنة.

في المقابل، تصف نتيجة ما وصل إليه ويلز، صاحب جائزة بوليتزر، بـ"المذهلة"، وتقول إنها "لا تتذكر اسم مفكر آخر يمكن أن يضع اقتباسات من كتب القديس أغسطينوس والقرآن بجانب بعضها البعض، مستمتعاً بالتناقض وعدم التجانس. أو تحديد أوجه الشبه والاختلاف بين النسخ التوراتية والقرآنية في قصص موسى وإبراهيم ويسوع".

وماذا عن قراءة ويلز السطحية للقرآن؟

كان للباحث في "بروكينغز" شادي حميد، مآخذ كثيرة على مقاربة ويلز "المسالمة" للإسلام.

ما يُحسب لويلز، حسب حميد، هو نبل نيته في محاربة الإسلاموفوبيا من خلال المعرفة، إذ اعتبر أن كلما ازداد اطلاع الناس على القرآن كل ما كان لديهم القدرة على نقض عنفيّة الإسلام.

ولكن صاحب كتاب "إعادة التفكير في الإسلام السياسي"، يغالط ويلز في "اكتشافه" أن الإسلام دين سلام لا حرب. برأيه، الديانة الإسلامية ليست ديانة مسالمة، فالقرآن نزل على النبي وأهله المنخرطين في معركة، فكان لا بد أن يناقش مسألة السيطرة على الأرض بالقوة.

المسألة، حسب حميد، لا تقتصر فقط على عدم الاطلاع حسب ما زعم ويلز، فمشكلة أبو بكر البغدادي مثلاً ليست في أنه غير مطلع على تفسيرات منفتحة للقرآن، بل في أنه يعتبرها خاطئة.

أما بالنسبة للأيديولوجيين الإسلاميين، والكلام لحميد، فهو أن الحداثة قربتهم أكثر من العمل على قلب مسارها، فإذا كان ثمة عبيد ومحظيات في عهد الرسول، على سبيل المثال، فهذا يعني أنهم يجب أن يكونوا دائماً.

من جهة ثانية، اعتبر حميد أن ويلز يسقط نظرته للدين المسيحي "الجيّد"، المنفصل عن الحكم والسياسة، على الدين الإسلامي، وهذا مفهوم خاطئ تماماً.

ولكن في النهاية ثمة اعتراف بوجود مشاعر متناقضة أمام كتاب ويلز. فهو ليس كتاباً لشخص متعمق في الإسلام، كما ليس موجهاً لجمهور إسلامي. من هنا لا يمكن انتقاده لجهة افتقاره إلى الأصالة. هو كتاب لجمهور يعرف القليل عن تلك الديانة، ويخضع لخطابات كراهية ممنهجة.

مع ذلك، يرى حميد في براءة النية من خلال تنعيم صورة الإسلام أو التخفيف من حدته سيفاً ذي حدين.

محاولة جعل الإسلام قابلاً للهضم لغير المسلمين من خلال جعله مسالماً قد يسهم في المزيد من الارتباك بشأنه. فـ"ماذا يحدث عندما يُواجَه الأمريكيون، بعد قراءة هذا الدين المستساغ والسلمي وغير العنفي، بنسخة منه حازمة وغير متساهلة؟"، يتساءل حميد.

 

المصدر: 
موقع رصيف 22
موضوع المقالة: 

معلومات المقالة