عن قلب الشرق المشتعل في صراع الرومان والفرس: تدمر وملكتها "الزبّاء" (زنوبيا)

الأربعاء, January 31, 2018
كاتب المقالة: 

مدينة اشتهرت باسم امرأة لم تقنع بمكانها كملكة لمدينتها الواقعة قرب حمص في بادية الشام على ملتقى طرق القوافل: كانت تَدمُر بمثابة حليف روما في الشرق والفاصل بين الدولتين الرومانية والفارسية المتحاربتين، وأصبحت بفضل قوتها واستقرارها، قبلة للتجارة والفن والثقافة حتى ارتفع شأنها في القرن الثالث الميلادي.

عُرِفَت في الثقافة الشعبية كملكة، وسياسية، ومحاربة، وفيلسوفة ومؤرخة، فحتى بعد رحيلها بقرون، ظلّت أسطورة تلهب قصتها أذهان المؤرخين والأدباء، وصلنا أقدم ذكر لها من العصر الجاهلي في أشعار منسوبة لعدي بن زيد.

زنوبيا، أو "الزبّاء" كما أطلق عليها العرب، عُرفت في سياقات خاصة في التراث العربي الإسلامي الذي منح شخصيتها التاريخية والمتخيلة سيرة غنية برمزيتها وطاقتها الأخلاقية والجمالية، كما يخبرنا الباحث في تاريخ الإسلام الأول والعصور الكلاسيكية، وصاحب موسوعة "البيزنطيون والعرب في القرن السادس الميلادي" البروفيسور الفلسطيني عرفان شهيد.

فتذكر المصادر العربية (الطبري،المسعودي وابن الأثير)، كما يقول شهيد، بأن اسمها كان نائلة، وبأنها لقّبت بـ"الزبّاء"، كما يشار إلى أنها كانت ابنة ملك الجزيرة والشام، وأنّها بنت قلعتين مهولتين على ضفاف الفرات، واحدة لنفسها ولأخرى لأختها "زبيبة"، ويمكن اعتبار هذا الخبر الأخير معلومة تاريخية، كما يشير شهيد، فقد تحدثت المصادر اليونانية عن إحدى قلاعها.

ولكن التفصيل الأكثر إثارة في قصة الزباء هو حبكة الإغراء والإغواء في سبيل المكاسب السياسية،  التي انتهت بانتقام مرّ. وفي نهاية حكمها، قيل أنّها أبت أن تخضع لحقيقة هزيمتها، فهربت عندما احتلت الجيوش مملكتها، وتخفت ثمّ شربت سمّاً كان في فصّ خاتمها، لئلا تقع في الأسر أو تجبر على إعلان الهزيمة.

تَدمُر الآرامية، بالميرا اليونانية الرومانية

ورثت تدمر، أو "بالميرا" كما وردت في المصادر اليونانية والرومانية، المجد التجاري لدولة الأنباط في الشام، وقامت كحاجز منيع بين الدولة الفارسية في الشرق والمستعمرات الرومانية في الغرب، وعُرِفَت بمقاتليها الأشداء بالذات الرّماة منهم، وبفرسانها المدرعين بالحديد هم وخيلهم وجِمالهم، والمسلحين بالسيوف والحراب والخوذات الثقيلة، اضطرت روما إزاء ذلك لانتهاج سياسة حذرة معها.

كانت "رسمياً" تحت سلطة الإمبراطور الروماني ومجلس السناتو (البرلمان)، أمّا فعلياً، فكانت مستقلة تدير شؤونها الخاصة بنفسها وإنْ حرصت على تقديم الولاء للقيصر وعلى المساهمة في تسليح جيشه بالفرقة التدمرية التي اشتهرت بالشدة والبأس.

قياساً بالأنظمة السياسية العربية السائدة آنذاك في الجزيرة العربية وبلاد الشام والعراق، كانت تَدمُر نظاماً شديد الانضباط، فكان الحكم فيها موزعاً بين ملوك من الأسر الثرية، يعاونهم جهاز إداريّ من المستشارين والموظفين والقادة العسكريين ورجال الشرطة المكلفة في المقام الأول بحماية طرق التجارة والقوافل والأسواق.

ويشارك في وضع السياسات مجلسان أحدهما "مجلس الشيوخ" المعروف بالاسم اليوناني "بولي" ويضم رؤساء القبائل وكبار رجال الأعمال ورجال الدين، و"مجلس الشعب" أو "ديموس" وهو يضم البالغين من أبناء العشائر.

وأهم موظفي المملكة هم على التوالي: "رئيس المدينة"، مسؤول عن إدارتها تحت عين الملك، و"مسؤول المالية" و"مسؤول الأسواق" و"مسؤول فض المنازعات والقضاء". ولحماية مصالحها التجارية ومكانها كسوق دولية يحتاج إليها الجميع فإن المدينة كانت لها قوة الشرطة المؤمنة للطرق التجارية ضد هجمات البدو، وقوة الجيش المستعدة دوماً لا للدفاع فقط بل للهجوم أيضاً بما يتطلبه ذلك من استخدام المجانيق وآلات الحصار والقصف.

شعب تدمر

كان شعب تدمر، بحسب الباحثين، مكوناً من ثلاث طبقات، هي "الأحرار"، وهم الطبقة الأساسية، وكانوا ينتسبون إلى بيوت عربية سورية، وعشائر ذات استقلال ذاتي حيث تضم كلّ منها مجلساً لإدارة شؤونها. والفرد من هذه الطبقة، عادة ما كان يشتغل بالتجارة أو الوظائف الإدارية.

الطبقة الثانية هي طبقة الأجانب، وهي مكونة من الإغريق والفرس والرومان والعبيد المحررين، وكانت لكل من هؤلاء جالياتهم وفنادقهم.

أما الطبقة الأضعف، فكانت طبقة العبيد، وهم أجانب يعملون في الخدمة ولا يتمتعون بحقوق مدنية، إلا أنّ هناك أدلة قوية على أنّهم كانوا قادرين على استعادة حريتهم إذا في ظروف خاصة.

نتيجة هذا التنوع البشري تنوعت ثقافة التدميريين، فامتزجت في حياتهم الفنون اليونانية والفارسية والبابلية، واستخدموا الآرامية في مكاتباتهم والآرامية واليونانية في وثائقهم، واللاتينية في مراسلاتهم السياسة، وارتدوا ثياباً مزجت تأثيرات من اليونانية والفارسية، كما تسمَّى بعضهم بأسماء إغريقية وآخرون بأسماء سامية.

 

أما عن الدين، تعددت آلهة التدمريين بين فينيقي وبابلي وآرامي، حتى أحصى البعض منها نحو أربعين إلهاً، لكن أعظم هؤلاء كان "الثالوث الإلهي" المكوّن من الإله "بعل" وعن يمينه "بعل شمش" إله السماء والزراعة وعن يساره "يرحيل" إلهة القمر. إلى جانب هؤلاء عبد سكان تدمر "عشتروت" و"اللات" و"العزى" و"أرصو" إله القوافل.

عرش تدمر متاخم لحدود الروم والفرس

قبل التتطرق لشخص زنوبيا، لا بد من استعراض بعض الأحداث الهامة التي تمخضت عن تربعها على عرش تدمر.

في بدايات القرن الأول الميلادي كانت الأوضاع في الشرق مشتعلة بين روما وفارس نتيجة محاولة تلك الأخيرة قطع طرق التجارة الشرقية على الرومان، وكانت تدمر في المنطقة المتاخمة لحدود الدولتين، ونتيجة لذلك كانت تملك حرية نقل الولاء، حيث كانت مضطرة لمهادنة القوى العظمى، بين الرومان والفرس، حتى استطاع الإمبراطور الروماني هادريان في بدايان القرن الثاني الميلادي أن يفرض سيطرة روما المباشرة عليها، وإن كان لم ينتزع منها حكمها الذاتي هو أو أي من خلفائه.

وتفهمت الدولتان العظمتان ضرورة بقائها على هذا الوضع نظراً لاحتياج كلّ منهما لـ"أرض محايدة" تمثل لهما ملتقى التجارة حتى في ظل الخصومة والعداء.

أجاد التدمريون استغلال هذا الوضع، فوسّعوا نطاق تجارتهم في الشام والعراق، بل وأقاموا تحالفات ومعاهدات مع القبائل العربية بما فيها تلك الواقعة في مناطق النفوذ الفارسي، بل ومع الفرس ذاتهم! كذلك فقد سيطروا على التجارة الملاحية أسفل نهر الفرات.

ولأن التجارة في ذلك الزمان لم يكن يحميها سوى السيف، فقد شاركت تدمر في الحروب الرومانية ضد الفرس، ليس عن ولاء لروما بل عن حماية لمصالحها الخاصة في سوريا وآسيا الصغرى، ونجحت في تحقيق ضربات موجعة لفارس إلى حد أنّ جيشاً تدمرياً استطاع أن يحاصر العاصمة الفارسية مرتين ولم يرفع الحصار إلا بسبب فتح جبهات أخرى احتاج فيها الرومان للغوث التدمري.

كان على رأس السلطة آنذاك أسرة تدمرية قوية هي أسرة "أذينة" التي تلقى رؤساؤها التكريم تلو الآخر من السادة الرومان، وتلقبوا بألقاب المُلك حتى عُرِفَ أحدهم—أذنة زوج زنوبيا—بـ"ملك الملوك"، وتراجع في عهدهم نفوذ مجلس الشيوخ والشعب، لتدخل المملكة عهداً من الحكم الملكي المطلق.

شهدت تلك الأسرة انقلابات ومؤامرات أودت بحياة الواحد تلو الآخر من ملوكها، والأرجح أنّ روما لم تكن ببعيدة عن حياكة تلك المؤامرات لخوفها من اغترار بعض هؤلاء بقوتهم ونزعاتهم الاستقلالية، وكانت آخر تلك المؤامرات هي اغتيال الملك أذينة سبتيموس سنة 260م، مخلفاً وراءه ابنه القاصر "وهب اللات"، فنهضت زنوبيا—أرملة الملك القتيل—للوصاية على ابنها.

وصيّة العرش وحاميته، زنوبيا ملكة على تدمر

ترك أذينة سبتيموس لزنوبيا مملكة قوية ذات نفوذ متشعب وثروة هائلة، وجيشاً قوياً كان على رأسه قائدان مخلصان من أقاربه هما "زبدا" و"زباي"، ودولة مترامية النفوذ في طرق التجارة العالمية.

وكانت زنوبيا نفسها شخصية فريدة من نوعها سواء قياساً بهذا الزمن أو بأزمنة تالية، فقد كانت مشهورة بالحكمة والدهاء، وكانت عالية الثقافة إلى حد أنها كانت تجيد اللغات العربية واللاتينية واليونانية والقبطية، كما أنّها كانت قارئة ممتازة لتاريخ الشرق الأدنى وتاريخ الرومان حتى قيل أنها ألفت كتاباً جمعت فيه توارخ الملوك.

كما يُعتقد بأنها كانت مهتمة بالفلسفة والأدب فكنت تجد في بلاطها كل من الفلاسفة كاسيوس ديونيسوس لونجينوس ولوبوكوس البيروتي وفرفوريوس الذي عينته مستشاراً لها، كما كان من زوارها الدائمين، المؤرخان كليركراتس الصوري وبوزانياس الدمشقي وغيرهم من مشاهير الأدب والتاريخ والفلسفة. كما يرجح بعض الباحثين بأنها اهتمت بالآثار وأعادت ترميم بعضها.

كانت بداية أعمال زنوبيا أن تقربت من عرب البوادي وجنّدت منهم مقاتلين في جيشها، وكانت تلك خطوة هامة لوقوعهم على طرق التجارة والحرب، وضمت عرب المدن (أهل الحضر) واستعانت بهم في أعمال الإدارة والحكم.

ثمّ نظمت عملية وصايتها على الحكم بأن منحت ابنها "وهب اللات" الألقاب الحاكمة لأبيه الراحل مثل "ملك الملوك" واللقب الروماني "القائد العام لعساكر الشرق" و"القنصل وإمبراطور الشرق" ووضعت على رأسها التاج مانحة نفسها لقب "ملكة الشرق"، واهتمت بتعليم ابنها الفروسية واللغات وفنون الحكم وآداب الملوك.

ولتأمين جبهتها الشرقية مع الفُرس الذين كانت تَدمُر قريبة عهد بالحرب معهم، أقامت زنوبيا الحصن الذي حمل اسمها على نهر الفرات.

اهتمت زنوبيا بالحفاظ على حالة "التنوع الداخلي" في السكان والثقافات، فعرفت الجاليات الأجنبية الأمان وسهولة التعامل في عهدها، وتسامحت دينياً فكان من سكان مملكتها عدداً كبيراً من اليهود المهاجرين، بل ومُنِحوا حقّ المواطنة وازدهرت تجارتهم، فضلاً عن تسامحها مع المسيحيين إلى حدّ تقريبها الأسقف بولس السميساطي من بلاطها رغم قرار الكنيسة عزله عن أسقفيته بسبب بعض آراءه التي عُدَت كفراً.

نهاية عهد المداراة و"المهادنة" مع الرومان وبدأ عهد الصدام

سرعان ما قررّ الرومان إنهاء حالة "البين بين" في سطوتهم على تلك المملكة وقاموا بتوجيه ضربة لها تُفرَض بها السيطرة الرومانية مباشرة بشكل فعلي لا شكلي.

بضغط من مجلس الشيوخ الروماني "السناتو" وجه القيصر جالينوس جيشاً إلى الشرق مدعياَ أنه موجه لقتال الفُرس بينما حمل قادته أوامر بمداهمة تَدمُر، ويبدو أن زنوبيا لم تكن تنقصها العيون والأذان في روما ذاتها—وهو ما يبدو من معرفتها بأدق أخبار الرومان في أوروبا—فعرفت بأمر الحملة واستعدت لها وخرجت من مدينتها لمواجهتها وصدها، وبالفعل لقي الرومان هزيمة ثقيلة على يد التدمريين وفرّوا من ساحة المعركة وقُتِلَ قائدهم هركليانوس.

هكذا انتهى عهد المداراة و"المهادنة" مع الرومان وبدأ عهد الصدام المباشر.

فقررت زنوبيا الانتقال من حالة الدفاع لسياسة الهجوم ووجهت جيشها إلى مصر مستغلة انشغال واليها الروماني بربوس بمطاردة القوط في البحر المتوسط، ومستغلة أيضاً حالة الفوضى في روما نتيجة مقتل القيصر جالينوس وحلول كلوديوس محله فضلاً عن هجمات القوط وتمرد أهل "غالة" (فرنسا) بقيادة ملكتهم فيكتوريا.

مهدت زنوبيا لنفسها بالدعاية بأنها من نسل الملكة كليوباترا، وتواصلت مع بعض أهل مصر من الساخطين على حكم روما وعلى رأسهم تيماجينيس اليوناني وعصبته من رجال السياسة والثري فيرموس الذي عرض تقديم الدعم المالي للحملة التدمرية.

فاستغلت الملكة انشغال الرومان بالفوضى ووجهت جيشاً من سبعين ألف مقاتل بقيادة زَبدا دخلت مصر وهزمت جيشاً رومانياً تعداده خمسون ألف مقاتل، ثم ترك زبدا حامية من خمسة آلاف مقاتل تَدمري وجعل الزعيم الوطني تيماجينيس نائباً عن زنوبيا بمصر.

استغل الرومان انسحاب زبدا وحاولوا استرداد مستعمرتهم المسلوبة، فعاد إليهم وهزمهم مرة أخرى بمساعدة عرب سيناء والصحراء الشرقية الذين أطبقوا معه عليهم كالكماشة.

بفرضها الأمر الواقع اضطرت روما—في أواخر عهد القيصر كلوديوس—إبرام معاهدة مع تَدمُر تتوقف بموجبها الحرب ويتقاسم الطرفان حكم مصر، ويبدو أن الرومان قد اضطروا لذلك نتيجة تعرضهم للضربات من أكثر من جبهة في الشرق والغرب.

عندما تغيّرت أحوال روما، انقلبت أحوال تدمر وشعبها

انتهى عهد كلوديوس وخلّفه أورليانوس الذي تمكن من إنهاء فوضى الحكم في روما وقمع تمردات القوط والجرمان، فقرر إلغاء المعاهدة مع تَدمُر ومواجهة زنوبيا والقضاء عليها نهائياً.

ومرة أخرى استفادت ملكة تَدمر من "مخابراتها" فقد بلغها الخبر فأعلنت إسقاط المعاهدة وانفردت بحكم مصر، ويقال أنها تواصلت مع الملكة الثائرة في غالة فيكتوريا، للتنسيق معها على الضغط على الرومان من الجانبين، ثم أمرت زنوبيا جيشها باجتياح مناطق حكم الرومان في آسيا الصغرى، فاجتاحتها بالفعل حتى بلغت "خلقيدونية" إزاء القسطينطينية.

 

وبدا حكم الرومان مترنّحاً مرة أخرى، حتى أن زنوبيا قد صنعت عجلة (عربة) ملكية فاخرة مطعمة بالذهب وقالت أنها ستدخل روما منتصرة على متنها.

ولكن، عندما قامت الملكة باجتياح آسيا الصغرى، اضطرت لسحب قواتها من مصر متوقعة أن يدافع المصريون عن بلدهم لو هاجمه الرومان. فاستغل الرومان ذلك وهاجموا مصر بالفعل، وصمد لهم "فيرموس" الذي كان قد أصبح نائب زنوبيا على مصر، وانضم له زبدا بجيشه لولا انضمام بعض المصريين الموالين للرومان إلى الجيش الروماني. ولكن هُزِمَ زبدا، وأُسِرَ فيرموس وصُلِب، وهكذا في العام 271م فقدت زنوبيا مصر إلى الأبد.

وبينما كانت زنوبيا منشغلة بمحاصرة مدينة خلقيدونية، قدم القيصر أورليانوس إلى الشرق على رأس قوات كثيفة وقرر أن يضع حداً لتلك التي أذلت الهيبة الرومانية. وعبر المضيق إلى آسيا الصغرى متقدماً منها، فأدركت صعوبة مواجهته فاضطرت للانسحاب للشام بينما أخذ أورليانوس في التقدم متوغلاً في مناطق النفوذ التدمرية.

 

واستخدم القيصر سلاح الدعاية، فانتشرت بين رعايا زنوبيا شائعات—رومانية المصدر—عن نبوءات من معابد عشتار وأبولو بدمار تَدمُر.

لم تتأثر الملكة بتلك النبوءات المزعومة، لكنها أثرت بالسلب في الروح المعنوية للتدمريين الذين يعبدون عشرات الآلهة ويعتقدون فيما يخرج من قراءات الغيب من هياكلها.

خلال انسحاب الملكة من آسيا الصغرى، احتكت قوّات تَدمُر بالجيش الروماني، وكانت زنوبيا تحارب في جيشها كواحدة من الفرسان بينما كانت القيادة لزبدا. فكاد التدمريون أن ينتصروا أولاً، لولا أن خدعهم الرومان بادعاء الانسحاب ثم جرهم لفخ فاتل.

تكررت الهزيمة في الشام قرب حمص عندما كاد التدمريون أن يهزموا الرومان لولا أن لاحظ أورليانوس ثغرة في جيش تدمر—وهي ابتعاد الفرسان عن المشاة—فاستغلها وشتت الجيش وهزمه مرة أخرى. هنا لم يعد لزنوبيا سوى الالتجاء لعاصمتها والتحصّن فيها.

تحصنت الملكة في عاصمتها التي ضرب عليها أورليانوس حصاراً محكماً قطع عنها فيه الإمدادات الاقتصادية والمعيشية، ولكن حصاره لها طال دون أن يتمكن من اقتحامها لمناعة أسوارها المسلحة بالمجانيق وقاذفات النار التي بقيت تقصف الجيش الروماني بلا هوادة وتضطره للتفكير ألف مرة قبل التقدم خطوة زائدة خاصة وقد أصيب القيصر نفسه بجروح جراء الرمي والضرب المستمر.

وبلغت مسامع القيصر أخبار سخرية أهل روما من ذلك الذي عجز عن مهاجمة المدينة، فكتب إلى السناتو يقول "بلغني أمر من يسخرون مني فليعلموا أن زنوبيا إذا قاتلت كانت أكثر رجولة من الرجال!"

وأرسل يعرض تسوية على الملكة، مفاده أنْ تستسلم له مقابل الإبقاء على حياتها والاكتفاء بنفيها معززة وأن تدفع الجزية لروما مقابل بقاء نظم وقوانين وامتيازات التدمريين دون تغيير، ولكنها رفضت وقالت أنها تؤثر الموت على الاستسلام أسوة بكليوباترا.

وأرسلت زنوبيا إلى كل من الفُرس والأرمن وحلفائها من قبائل العرب تستغيثهم، ولكن الفُرس كانوا يمرّون بأزمات حكم طاحنة، وأمّا الأرمن فكانوا يخشون الانتقام الروماني، وبالنسبة لحلفاءها من الأعراب، فلم يشاؤوا مساندة ملكة مهزومة، قد يكون انتقام عدوها منهم شديداً.

وفي محاولة أخيرة للمقاومة، تسللت زنوبيا عبر بعض الأنفاق السرية خارجة من عاصمتها مع ابنها وهب اللات وبعض رجالها، وتوجهت لحصنها على الفرات لتتخذ منسه قاعدة للمقاومة والحشد والضغط على الرومان.. لكن أولئك الأخارى أدركوا أمرها وقبضوا عليها قبل عبورها النهر. ولما بلغ أهل المدينة نبأ سقوط ملكتهم في يد الرومان، قرروا الاستسلام وفتحوا لهم الأبواب في العام 273م.

وحمل القيصر زنوبيا ورجالها إلى قاعدته في حمص حيث عقد لهم محاكمة عاجلة قُضِيَ على أثرها بإعدام كل رجال بلاط زنوبيا وعلى رأسهم بعض فلاسفتها، والإبقاء فقط عليها وعلى أهل بيتها.

بعد ذلك انهمك في تنظيم أمور الشرق، وتعرض لثورة تدمرية فرد عليها بوحشية وعنف بلغا أن أباح المدينة لجنوده الذين داروا في أهلها بالسيوف حتى أفنوهم تقريباً ولم يرحموا حتى الشيوخ والنساء والأطفال.

وفي العام 274م دخل أورليانوس روما وسط احتفالات كبيرة، في موكب على رأسه زنوبيا مقيّدة ومعها ابنها وهب اللات وبعض رعاياها، وفي الموكب عجلتها الحربية التي كانت تمني نفسها أن تدخل روما عليها، وزُيِن الموكب بالمصارعين والراقصين والأسود والنمور والفيلة وشعارات الأمم الشرقية التي أعلنت خضوعها.

بعد تلك الاحتفالات، نُفِيَت زنوبيا وأولادها إلى مدينة تيفولي على بعد 25 ميلاً من روما، في عزلة عن الحكم والسياسة، ثم بعدها اندمجت في المجتمع الروماني كمجرد امرأة رومانية وتزوجت بناتها من بعض أبناء الأسر النبيلة، بل ويقال أنها هي نفسها قد تزوجت من نبيل روماني، واستمر ذكرها في روما حتى بعد القرن الخامس الميلادي.

هكذا انتهت ملحمة زنوبيا الملكة المقاتلة، وأوجدت لنفسها مكاناً في قصص العرب ورواياتهم ونسج البعض أخباراً أسطورية عنها حتى بعد موتها بقرون.

المصادر: تاريخ العرب القديم، توفيق دلو؛ تاريخ العرب قبل الإسلام، محمد سهيل طقوش؛ المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، جواد علي؛ مقالة "الزباء"، عرفان شهيد. صورة المقالة لقطعة من تدمر، من مقتنيات متحف الجامعة الأمريكية في بيروت (AUB). 

المصدر: 
موقع رصيف 22
موضوع المقالة: 

معلومات المقالة