عفيف بهنسي.. مسيرة العطاء الطويلة والمتشعبة

الجمعة, May 6, 2011
كاتب المقالة: 

لا بد من الإشارة إلى أن الدكتور بهنسي هو من أبرز وأهم المشتغلين في مضمار علوم الفنون الجميلة في سورية والوطن العربي على حد سواء، إن لناحية عدد مؤلفاته باللغة العربية وعدة لغات أجنبية، أم لناحية نوعية تخصصاتها التي تماهت فيها الترجمة بالتأليف، والتأريخ بالتوثيق، والفلسفة بالنقد 

قبل ارتياد كروم الجمال وحقوله الساحرة، التي زرعها ورعاها الباحث الجمالي والفنان والأستاذ الجامعي الدكتور عفيف بهنسي حتى أينعت وأثمرت، وضاع عطرها بين جنبات وطننا العربي الكبير (وأنا واحد من تلاميذه الكثر الذين رافقوا عملية الزرع والرعاية والجني) لا بد من الإشارة إلى أن الدكتور بهنسي هو من أبرز وأهم المشتغلين في مضمار علوم الفنون الجميلة في سورية والوطن العربي على حد سواء، إن لناحية عدد مؤلفاته باللغة العربية وعدة لغات أجنبية، أم لناحية نوعية تخصصاتها التي تماهت فيها الترجمة بالتأليف، والتأريخ بالتوثيق، والفلسفة بالنقد.

فقد تجاوز عدد مؤلفاته باللغة العربية السبعين كتاباً ومجلداً، بدأ رحلة نشرها العام 1960 ولا تزال مستمرة حتى الآن إضافة إلى أربع وعشرين كتاباً بأكثر من لغة أجنبية منها: الفرنسية، والانكليزية، والألمانية، والإسبانية، وجميع هذه المؤلفات تدور حول الفنون التشكيلية والعمارة والآثار في سورية والوطن العربي والعالم، خلال مراحلها التاريخية المختلفة.

على هذا الأساس، يتقدم الدكتور بهنسي صفوف الباحثين العرب الموسوعيين الأولى في عالمنا العربي، بل وفي العالم، الذين تخصصوا بهذه المجالات الثلاثة اللصيقة بمسيرة الإنسان الحضارية الرفيعة.

يضاف إلى ما تقدم، اشتغال الدكتور بهنسي في أكثر من مجال حيوي وهام، منها: التصوير، النحت، التصميم، وله تجارب معروفة وحاضرة في حركة التشكيل السوري المعاصر، وشغل مناصب عديدة منها: مدير الفنون الجميلة بوزارة الثقافة، ونقيب الفنون الجميلة، والمدير العام للآثار والمتاحف في سورية، وأستاذ محاضر في جامعة دمشق، وساهم بتأسيس مؤسسات واتحادات ونقابات ومتاحف عديدة، في سورية والعالم الإسلامي، وحاضر في أكثر من ثلاثين جامعة عالمية، وحصل على ثلاثة عشر وساماً عالمياً، والعديد من الجوائز، وكرم من قبل جهات محلية وعربية ودولية.

هذه المسيرة الحافلة بالعطاء الحضاري الرفيع للدكتور بهنسي، تجعل منه أحد أهم وأبرز المشتغلين في هذا المضمار الحافل بتلاوين رفيعة وغنية من إبداعات الإنسان في مجالي الفنون التشكيلية والعمارة، وهما الشقيقان الرئيسان اللذان ينحدران من أسرة الفنون الجميلة، ويشكلان الحاضن الرئيس، لباقي ضروب ثقافة الإنسان وفنونه وابتكاراته المعنية، بفتح فضاءات رحبة أمام روح الإنسان وعواطفه، كلما ضيقها وحاصرها طيش البعض وفعله العاطل المخرّب للحياة، المبشع والمشوه، لوجهها الجميل، المدمر لمبررات الاستمرار منها.

ماهى الدكتور بهنسي في مؤلفاته عن الفنون التشكيلية والتطبيقية والعمارة، بين خصيصة الموثق الحصيف المطلع والمتمكن من ناصية عدة لغات أجنبية ولغته الأم، وبين خصيصة الفنان الممارس، والناقد الموضوعي، وبين هذه الخصائص مجتمعة، وشخصيته القومية الوطنية المحبة لأرضها، العاشقة لتراث أمتها الضارب عميقاً في تربة الحضارة الإنسانية، الغيور على سمعتها، الحريص على تأكيد دورها الكبير في المنجز الحضاري العالمي، ولهذا كرس عدداً لا بأس به من مؤلفاته، لإلقاء الضوء على هذا الدور، وكشفه، وتبيانه، لا سيما بعد أن حاول كثير من الباحثين والمؤرخين طمسه وتشويهه، معتمداً في ذلك على الوثائق المدققة، والحقائق الدامغة، والمعطيات المادية الموجودة في متاحف وصالات العالم كافة.

وكان في هذا الجانب متحمساً، غيوراً، صادقاً، ما يؤكد مدى اعتزازه بوطنه، واحترامه لأمته، وتقديره لمساهمات الحضارة العربية والإسلامية في عملية التأسيس لانطلاقة مسيرة الفنون الإنسانية الرفيعة، ومن ثم إنضاجها وتطويرها، في مراحلها المختلفة.

لقد نقب الدكتور بهنسي، عن الجذور الأولى لهذه المساهمة، وتتبع نموها وإيناعها والتوثيق لهابرؤية المأخوذ بعظمة هذا الإنجاز العربي والإسلامي، لكنه المحصن في الوقت نفسه، بالموضوعية العلمية المدعومة بالقرائن، المؤكدة بالإحالات والمراجع والآراء التي صدرت عن أساطين الباحثين والمؤرخين الغربيين، قبل أن تصدر من الباحثين والمؤرخين العرب والمسلمين.

بناء على ما تقدم وأمام هذه الغلال الوافرة، الملونة، المباركة، ماذا يمكن أن نقول، وكيف لنا بعجالة كهذه، استعراضها، والوقوف على خصائصها، وتبيان أهميتها وفرادتها.

فقد أمضى الدكتور بهنسي نصف قرن من الزمن في إنجازها وإخراجها بهذا الشكل الجميل، العميق، الموضوعي، لتشكل في النهاية، كنزاً ثميناً لطلاب الفنون والعمارة والآثار ومزاوليها والباحثين فيها، ليس على الساحة السورية فحسب، وإنما على الساحتين العربية والإسلامية وحتى العالمية.

ما يلفت الانتباه، قيام الدكتور بهنسي بإنجاز هذه المعارف الفنية الهامة والنادرة، على مدى نصف قرن من الزمن، وبخط مواز قيامه بنقلها إلى طلبته الكثر بكل حيوية ومثابرة وهمة عالية وتجديد دائم فهل هناك أجمل من معادلة كهذه: صنع المعرفة، ونقلها مباشرة، إلى المعنيين بها؟!

لزمن طويل.. وطويل جداً، ستبقى تتغذى أجيال الفنانين التشكيليين والمعماريين والآثاريين، على ما طرحته كروم الجمال البهنسية، هذه الكروم التي شبت في تربة وطن الأبجدية الأولى وشربت من مائه، وترعرعت وأينعت تحت سمائه، وسافرت غالبية ثمارها، إلى العالم بأشرعته ما يجعل منها إنجازاً حضارياً معرفياً سورياً بامتياز.

عطاء كهذا، بمواصفات كهذه، جدير أن يكرم بما يليق به وجدير بعطائه أن يأخذ طريقه إلى دائرة الضوء والاهتمام والاحتفاء، لا سيما من قبل السواقي التي تلقت بشكل مباشر، معارف هذه القامة – النهر التي ما تعبت من العطاء، ويبدو أنها لن تتعب، طالما تتوهج فيها الحياة، بدليل عطائها المستمر حتى الآن، ولعل عجالتي المتواضعة هذه، أول الغيث.

جريدة تشرين

 

المصدر: 
جريدة تشرين
موضوع المقالة: 

معلومات المقالة