حوار حول تجاوزية مالك بن نبي للنظرة الحضارية الخلدونية..

الثلاثاء, August 8, 2017
كاتب المقالة: 

تظل أطروحات المفكر الإسلامي الجزائري مالك بن نبي -والتي بدأ في بلورتها منذ أواسط الثلاثينات من القرن الماضي- مواداً أولية لكثير من المفكرين الإسلاميين المعاصرين، ورغم أن أغلب

أفكاره ورؤاه حول مسائل الحضارة والتغيير الاجتماعي قد تم تناولها من قبل الباحثين؛ إلا أن الكثير من أفكاره لا تزال في حاجة إلى البحث والتقصي الجاد.

ومالك بن نبي يعتبر من تلك الفئة من المفكرين الأفذاذ الذين شكلت كتاباتهم علامات بارزة في مسيرة النخب الثقافية الإسلامية الآن، فعلى امتداد دول المغرب العربي والبحر الأبيض والقرن الإفريقي والخليج وشمال أفريقيا تجد تأثير مالك بن نبي بارزاً لا يحتاج إلى كثير جهد لملاحظته.
وفي هذا الحوار الذي يجريه موقع (الإسلام اليوم) مع الدكتورة نوره خالد السعد -أستاذة علم الاجتماع بجامعة الملك عبد العزيز بجدة- نحاول أن نستكشف ونستقرئ بعض إسهامات مالك بن نبي وتوصيفه لمشكلات الحضارة وطرق التغيير الاجتماعي وغيرها من الظواهر والأفكار التي اشتغل عليها مالك بن نبي.
وعلاقة الدكتورة نوره السعد (وهي من الباحثات السعوديات اللائي قدمن إسهامات ثمينة في حقل الفكر الاجتماعي الإسلامي) بأطروحات وأفكار مالك بن نبي علاقة قديمة، استرعتها في أولى سنيّ تدريسها بالجامعة في قسم علم الاجتماع، وتواصلت تلك المسيرة حتى نالت درجة الدكتوراه في أطروحة ” التغيير الاجتماعي عند مالك بن نبي”, وهي تؤكد باستمرار أن مشروع مالك بن نبي الفكري يستحق أكثر من دراسة وحلقة نقاش.
في دراستكم الأخيرة قدمتم قراءة لفكر مالك بن نبي الاجتماعي ، ما الجديد الذي أتت به هذه الدراسة , وبماذا تتميز عن الكتابات الأخرى التي تناولت فكر مالك بن نبي ؟
معظم من درس أفكار مالك بن نبي يرحمه الله ركز على تحليل آرائه من المنظور الفلسفي الحضاري، وكانت دراستي تختلف في أني قمت بتحليل آرائه حول التغيير الاجتماعي على وجه الخصوص تحليلاً اجتماعياً مستخدمة أدوات علم الاجتماع ومنهجيته لاستخلاص نظرية الأستاذ مالك بن نبي يرحمه الله في التغيير الاجتماعي، وتوضيح منهجه العلمي في استقرائه التاريخي للقضايا الاجتماعية التي درسها وفسرها انطلاقاً من الجزئيات وهم (الأفراد) إلى الكليات (الحضارة)، بل واستخدامه لمفاهيم التحليل النفسي والتحليل التاريخي للظواهر الاجتماعية بصفتها أدوات معرفية يستعين بها من أجل البحث عن الانتظام الذي يحكم الظواهر الاجتماعية والتاريخية، واحتوت الدراسة توضيحاً كاملاً لمعالم هذه النظرية لدى هذا المفكر، وأنها -أي آراءه- ترقى إلى مستوى النظرية في علم الاجتماع، وخصوصاً ما عرف منها بما يسمى بـ”الاتجاهات الاجتماعية العامة”، وأنها لا تختلف عن سائر النظريات الدورية للتغيير الاجتماعي من حيث تصورها للظاهرة الاجتماعية، وهي ظاهرة التغيير وكيفية تناولها وتحديد مسارات تغيرها. كما أن تميز هذه النظرية لدى مالك تتضح في عدد من معالمها، سواء فيما يخص إطارها المفاهيمي والمصطلحات الجديدة التي أضافها لعلم الاجتماع مثل: (الفعالية الاجتماعية البناءة، التكديس، القابلية للاستعمار، الأفكار القاتلة، والأفكار الميتة) وجميعها مفاهيم ذات دلالات وظيفية اجتماعية، وليست فقط فلسفية، أو ما يخص محورية الدين في بنائها ودخوله في الجدلية النفسية الاجتماعية بين الفرد والمجتمع في الدورة الحضارية، وأن الدين هو منشئ الحضارة.
كما أن هذه النظرية لدى مالك تصور الواقع الاجتماعي على أنه قابل للتغيير وللتطور، وتؤكد على الدور الوظيفي للإنسان وتدعوه للتغيير الذاتي، وإلى تغيير واقعه الاجتماعي المتخلف، وتقدم مشروع تغيير متكامل للعودة بالمجتمعات إلى دورة الحضارة.

من خلال متابعتكم لكتابات المفكرين ونتاجهم؛ هل أحدثت كتابات مالك بن نبي أي تغيير في حركة الأفكار في العالم الإسلامي المعاصر؟
كتابات المفكر مالك بن نبي كالبحر العميق إذا لم يتم الإبحار إلى مكامنها واستقرائها (بشكل جيد)؛ فإن التأثر بها يظل لا يرقى بعمقها، ورغم هذا نجد أن هناك عدداً من المفكرين والكتاب في العالم العربي من تأثروا بكتابات مالك بن نبي، أو أسهموا في تحليلها خصوصاً من كان منهم على علاقته بالأستاذ مالك بن نبي مثل: الدكتور عبد السلام هراس، والدكتور الطالبي، وأيضاً الدكتور عبد الصبور شاهين الذي ترجم بعض مؤلفاته، ونجد أيضاً تأثراً بآرائه لدى بعض الكتاب والمثقفين مثل: الدكتور سيد الدسوقي حسن، والدكتور محمود محمد سفر، والدكتور أسعد الحمراني، والأستاذ محمد العبدة، والاستاذ جودت سعيد، والدكتور ماجد عرسان الكيلاني، حيث نجده في مؤلفه “الأمة المسلمة” قد قام بتطبيق مفاهيم نظرية مالك في الثقافة والتربية، وربما هناك آخرون لا تحضرني أسماؤهم حالياً، ولكن في مجمل القول: إن كتابات مالك لم تحدث التغيير ( الذي تستحقه).
وإن كانت تعتبر ركيزة عند العديد من المفكرين يمكن استقرائها من نمط تحليلاتهم واستخدامهم لمفردات ومفاهيم مالك بن نبي حتى في حالة عدم الإشارة إليها!.

ماذا عن أساسيات التغيير الاجتماعي عند مالك بن نبي وأشكاله؟
أساس التغيير الاجتماعي عند مالك بن نبي هو الدين، وكان يرى أن الحضارات بصفتها هدفاً لأي تعبير اجتماعي تعقد على (الدين) بوصفه عاملاً أساسياً في تركيبها وإقامتها، وكان يخطئ المذاهب المادية التي تجعل الدين عارضاً في تاريخ الثقافة الإنسانية، وحدد مالك العلاقة بين الدين وظاهر المجتمع، ووضح أن هذه العلاقة تتحدد بفرضية وتفسيرات؛ فالفرضية هي ( الفكرة الدينية) والتفسيرات هي الإلمام بظاهرة التغيير الاجتماعي والوصول إلى الحضارة في مجتمع من المجتمعات في مرحلة من مراحل التاريخ البشري، وقد استمد مالك أمثلته من استقراء الوقائع التاريخية الماضية للعالم الإسلامي وحضارته وللحضارات السابقة أيضاً.
ووضح في نظريته عن التغيير الاجتماعي أساس هذا التغيير ومجالاته، سواء على مستوى الفرد أو المجتمع، وأكد على أن الوظيفة الأساس للدين بمفهومه العام في إحداث كافة التغييرات الاجتماعية التحويلية الهامة في (الإنسان، والزمن، والتراب) وما يتبعها من معطيات نفسية اجتماعية تحدث من خلالها التغييرات لتحقيق الغاية النهائية لحركة المجتمع، حيث يتحقق في النهاية في شكل (حضارة).

كيف يفهم مالك بن نبي موقع الدين في حركة التغيير الاجتماعي؟
القارئ لكتابات مالك بن نبي ونظريته في التغيير الاجتماعي سيجد أن مالك يؤكد على دور الدين في هذا التغيير وأن ما حدث لسقوط المجتمعات وتدهورها في مسيرة الدورة الحضارية كان نتيجة لغياب الوظيفة الاجتماعية للدين. إذ إن البناء الاجتماعي في أي مجتمع لا يقوى على البقاء بمقومات الفن والعلم والعقل فحسب؛ بل (بالروح)، فالعلاقة الروحية بين المعبود والإنسان هي التي توجد العلاقة الاجتماعية؛ فالدين حين يخلق الشبكة الروحية التي تربط نفس المجتمع بالإيمان بالمعبود؛ فإنه في الوقت نفسه يخلق شبكة العلاقات الاجتماعية التي تقوم بدورها بتهيئة المجتمع للقيام بدوره التاريخي، ويحقق نشاط أفراده من خلال (العمل المشترك)، وبهذا نجد أن الدين يربط أهداف السماء بضرورات الأرض؛ فالجانب الغيبي للدين هو الذي يوفر (المبررات) ويوجد (الإرادة الجماعية) ولا بد هنا من تلازم القيم الأخلاقية بالناحية الاجتماعية في إطار هذا النشاط المشترك للأفراد، ذلك أن أي خلل في علاقة القيم الأخلاقية بالجانب الاجتماعي سيؤدي إلى الانهيار والتدهور.
ولمزيد من التوضيح لدور الدين في إحداث التغيير الاجتماعي كما يراه مالك بن نبي؛ نجده يؤكد على أن (الفكرة الدينية) هي المحرك الأساس للمجتمع، وآلية إحداثها للتغيير تتم من خلال تكوين وإنشاء العلاقات الاجتماعية التي تربط بين (عالم الأشخاص، وعالم الأفكار، وعالم الأشياء)، فالفكرة الدينية هنا هي (المركب) Catelyst أو العامل الرئيس لتفاعل هذه العناصر؛ لتصبح وحدة واحدة، تقوم بإحداث التغيير، أي أن الفكرة الدينية توجد الرابطة التي تجعل عالم الأشخاص يتحرك وفق المحددات التي رسمها عالم الأفكار بوسائل من عالم الأشياء، والعالم الأول هم الأفراد المادة الأولية للنشاط الاجتماعي، ولكن ليسوا هم الأفراد العاديين، ولكنهم الأشخاص المشجونون بيقين العقيدة والصالحون للقيام بهذا الدور التغييري، والمستعدون له بعد أن تم تعديل معادلتهم الاجتماعية؛ ليكونوا في مستوى من الفعالية الاجتماعية يؤهلهم للتغير. والعالم الثاني يقصد به (مالك) الطاقة المحركة للعالم؛ والمحددة لوجتهه التاريخية، والعالم الثالث يقصد به مجموع الوسائل والإمكانات التي يمكن أن يستخدمها العالم الأول أثناء حركته الاجتماعية وسيره التاريخي.
وهكذا نجد أن إحداث التغيير الاجتماعي يتطلب توفير شروط معينة تمس (الإنسان، والتراب، والزمن، والمجتمع، وثقافة هذا المجتمع)، وهي نطاق (التغيير الاجتماعي) الذي هو في موقع إمكانية الحدوث طالما كان هناك إمكانية إعادة تطبيق المبدأ القرآني في النفس الإنسانية في أي مرحلة نرغب أن يحدث فيها هذا التغيير الإرادي؛ لأن قوة التركيب التي تؤلف بين العوامل الثلاث ( الإنسان، والزمن، والتراب) لتحدث (الحضارة) الغاية النهائية لهذا التغيير، هذه القوة خالدة في جوهر الدين، وليست ميزة خاصة بوقت ظهوره فقط؛ فجوهر الدين مؤثر صالح في كل زمان ومكان.

هل تعتقدون أن المجتمع المعاصر في حاجة الآن لهذه الأفكار؟ وهل يمكن تطبيقها؟.
المجتمع المعاصر في أمس الحاجة لتطبيق هذه الأفكار وتفعيلها، فمالك بن نبي قدم (مشروعاً حضارياً) في أبعاده وثقافياً اجتماعياً في جوهره ومشروعه هذا ليس تنظيرياً يصعب تطبيقه؛ بل هو أيضاً حدد كيفية تفادي الصعوبات المحتملة على كل مستوى حتى على المستوى الدولي. حيث إنه يكامل في تحليلاته لمشكلات الحضارة مع وحدتين أساسيتين هما: (الحضارة) و (الفرد)؛ الأولى كأوسع وحدة اجتماعية يمكن أن تتحقق في التاريخ، والثانية كأصغر وحدة اجتماعية ..ومشكلة المسلم عنده هي (مشكلة حضارة)، وليست (مشكلة دولة).
ومشكلة الحضارة تتطلب حلولاً لا على مستوى ( الدول) فحسب؛ بل وضروري جداً أن تكون قبل ذلك على مستوى (الفرد)؛ لأن الرقي بالفرد هو بالضرورة (تقدم) للدولة وليس العكس. فنجاح أي بناء مادي أو اجتماعي يعتمد على مدى قوة أصغر وحدة؛ فإذا كانت قوية جاء البناء بعد ذلك قوياً، أما إذا كان الاهتمام بالشكل النهائي للبناء فقط وعدم الاكتراث بوحداته الصغيرة؛ فإن العمل حقاً لن يكون قوياً، بل وقابل للانهيار.

ماهي العوامل التي أملت عليكم الالتفات لموضوع التغيير الاجتماعي عند مالك بن نبي؟ ومتي بدأ اهتمامكم بفكره؟
لقد كانت بداية معرفتي بفكر مالك بن نبي في عام 1403هـ عند تدريس لمادة (التخطيط الاجتماعي) التي كانت من مواد الأستاذ الدكتور (أبو بكر باقادر) أستاذ علم الاجتماع في جامعة الملك عبد العزيز، وتم تكليفي فيها نظراً لتغيير في الجدول الأكاديمي للدكتور، وكان قد أشار في مذكرته تلك الى إسهام المفكر مالك بن نبي في آليات التغيير الاجتماعي، ولم أتوقف عند ما ذكره الدكتور في مذكرته حيث كان مختصراً جداً، ولكن اطلعت على مؤلفه “شروط النهضة”، وانبهرت بأسلوبه وفكره، وبدأت في متابعة مؤلفاته، وعندما تقدمت لنيل شهادة الدكتوراه من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية رغبت التعمق في تحليل أفكار مالك بن نبي، حيث إني لمست أن لديه ما يمكن أن يكون نظرية اجتماعية في التغيير الاجتماعي، وقد استشرت الأستاذ الدكتور أبأ بكر باقادر في ذلك، ووجدت منه دعماً كبيراً وتشجيعاً، ولا أنسى دوره في ذلك، ودور الأستاذ الدكتور محمد أسعد نظامي أستاذ النظرية الاجتماعية في جامعة الملك سعود في مساعدتي، والدكتور عبد الله العويسي من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في البداية، وبحمد الله الذي وفقني لتقديم دراسة وافية عن أفكاره في التغيير الاجتماعي الذي تم نشرها بعد ذلك في كتاب يحمل العنوان نفسه.
والعوامل التي دفعتني لذلك؛ هي أننا نفتقد في مادة علم الاجتماع أي دراسة عن هذا الجانب لأي مفكر عربي أو مسلم، ومالك بن نبي لديه الأفكار الكاملة للتطبيق، ولديه مشروعه الحضاري الذي تجاوز فيه ما لدى ابن خلدون في نظريته عن الدورة الحضارية، وكان مهم إخضاع هذه النظرية للتحليل، وتقديمها لدارس علم الاجتماع لدراستها ونقدها وتقويمها، واستثمارها في أي مشروع تنموي حضاري.

هل ترون أن هناك جوانب أخرى في فكر الأستاذ مالك تستحق الالتفات والبحث؟
نعم هناك جوانب عديدة في فكره تستحق البحث والدراسة مما يمكن أن يندرج في علم اجتماع المعرفة، أو علم الاجتماع السياسي، أو علم الاجتماع الثقافي، وعلم الاجتماع الديني، وعلم الاجتماع التربوي، وأيضاً علم الاجتماع الاقتصادي؛ فنظرياته تتميز بالمنهجية وبالتناسق الثباتي، والترابط الوظيفي بين وحداتها، كما أنه يتميز في جميع تحليلاته للواقع الاجتماعي للعالم الإسلامي والحلول التي يطرحها بالشمولية وارتباط هذه الحلول بالسياق الثقافي والاجتماعي والتاريخي للإنسان والمجتمع بكافة قطاعاته ومؤسساته، وارتباطه بالنسق العالمي. وحسب معرفتي أن هناك دراسات عنه تطرقت إلى بعض جوانب فكره في عدد من التخصصات التربوية والسياسية والاقتصادية.

من ضمن الملاحظات التي قدمت على فكر مالك بن نبي أن خطابه كان موجهاً في أغلبه للنخبة المثقفة والمستنيرة من الطلاب وغيرهم, ما مدى اتفاقكم مع هذه الملاحظة؟
مالك بن نبي لم يتعمد أن يقدم خطابه للنخبة، ولكن تميزه الفكري وخلفيته العلمية وإطاره المنهجي، وعمق تحليلاته وإطلاعه الواسع للعديد من التخصصات العلمية والفلسفية؛ كونت خطابه المنهجي الفكري، وبالتالي من سيقيم فكره ويستوعب تنظيراته لا بد أن يكون ملماً بهذه الخطوط المتقاطعة لديه, فمالك بن نبي ليس مثقفاً عادياً ولكنه (مفكراً علمياً) وبالتالي خطابه ليس أيديولوجياً قدر ما هو فكريّ بأسلوب علمي, وبسبب طبيعة هذا التكوين المعرفي لمالك بن نبي أصبح خطابه (نخبوياً) كما تقول.
كما أن مالك في الوقت نفسه كان إنساناً ومفكراً مستقلاً لم يرتبط بحركة اجتماعية واسعة تفرض عليه أسلوباً شعبوياً لمخاطبة الآخرين، وإنما كان عنده (منتدى فكري) لا يحضره إلا النخبة المثقفة، وطبيعة هذه النخبة من مستمعيه مع الخطوط الأولى في صياغة شخصيته، ومنهجية تفكيره، ووضعيته الاجتماعية شكلت هذه المحصلة لخطابه.

كيف تقيمون الأفكار السائدة الآن في الساحة الإسلامية ؟ وهل هي بقدر التحدي الذي تفرضه حركة التحديث والتجديد؟
بالطبع الإجابة بالنفي لعدة أسباب منها:
إن ما يطرح من أفكار لا ينتظمها نسق بنائي وظيفي شمولي بين معظم المفكرين الذين يطرحون هذه الأفكار . نعم هناك بعض التقدم والوعي بطبيعة العصر وقضايا الحاضر، ولكن ليست في مستوى التحدي الحضاري، وذلك لعدم قدرة هذه الأفكار على مجاراة هذا الواقع العولمي في حركته أو في الإجابة على تساؤلاته إجابة كاملة فعدم اختيار اللحظة التاريخية لطرح هذه الأفكار يدفع إلى إخفاقها.
ولكن هناك بعض الطروحات لبعض المفكرين الإسلاميين تمثل إشراقة جيدة، مثل: أفكار الدكتور طه عبد الرحمن، وبعض طروحات الدكتور عماد الدين خليل.

أين تضعون الأستاذ مالك بن نبي بين المفكرين الإسلاميين المعاصرين؟
أعتقد أن مالك بن بني يتميز عن معظم المفكرين الإسلاميين المعاصرين لأن أفكاره ليست خاصة بالعالم الإسلامي أو بالمسلمين فقط؛ فأفكاره وتنظيراته القابلة للتطبيق والتفعيل يستفيد منها الوثني أو حتى الشيوعي لأن فكره (سنني) والسنة أو القانون يستفيد من تطبيقاته الجميع. وفق هذا المنظور أعتقد أن مالك بن نبي ليس مفكراً إسلامياً بالمفهوم الأيديولوجي , فمعظم المفكرين الإسلاميين يطرحون الإسلام كنظام في مواجهة الأنظمة الأخرى، أما مالك فيطرحه كحل حضاري شامل بناء على أن القانون الحضاري هو أن أية حضارة تقوم على الدين، ولأن كل أمة لها دين، وبالتالي لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح أولها، والإسلام هو المخرج لاستعادة هذه الأمة لحضارتها.
فمالك هو صاحب مدرسة مستقلة، وصاحب وجهة الطرح السنني العلمي في أفق الفكر الإسلامي، وهي وجهة جديدة ويمكن القول: إنه “رائد التفكير السنني” في الفكر الإسلامي.
المفكرون الإسلاميون معظمهم لم يظهر لديهم هذا الاهتمام، وقد يكون هناك من طرح (السننية)، ولكن أعتقد أنه لم تكن لديهم (نظرية) بالإمكان تطبيقها على إشكالية الحضارة أو أية إشكالية ثقافية أو تنموية بشكل عام.

مَن قدم مِن المفكرين العرب نظريات اجتماعية -غير مالك بن نبي- تستطيع أن تكون بديلاً عن النظريات الغربية؟.
نظرية مالك بن نبي في التغيير الاجتماعي التي قمت بصياغتها -كما ذكرت سابقاً- ووضحت أنها تدخل في سياق (النظريات الكبرى) مثل نظرية ماركس مثلاً، أو نظرية سوروكين في التغيير الدوري الحضاري، أو حتى نظرية بارسونزر وفق هذا المنظور لا أعتقد أن هناك من قدم من المفكرين العرب نظرية تكون بديلاً للنظريات الغربية، وإن كانت هناك اجتهادات جيدة قدمها الأستاذ الدكتور معن خليل عمر في مؤلفه “نظرية عربية في علم الاجتماع.

المصدر: 
ستار تايمز
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

Image CAPTCHA
أدخل الرمز الموجود في الصورة.