النزوع الديني للإنسان المعاصر

الأحد, November 5, 2017
كاتب المقالة: 

مقدمة: قاد البحث الدؤوب للإنسان عن أمنه الاجتماعي والنفسي، إلى تعزيز حضور المقدس في حياته، بحثاً عن جواب لمشكلاته وتحديات الحياة المعاصرة. وأحد تجلياته ما يشهده الواقع المعاصر من العودة إلى القدسي، خاصة في المجال التداولي للأديان الثلاثة (اليهودية المسيحية، الإسلام). ويؤكد هذا من جهة أولى، نزعة الإنسان الدينية وتعطشه المستمر للجانب الروحاني، ومن جهة ثانية إعلاناً في الوقت ذاته على تعثر الفكر المادي المعاصر بمختلف مقولاته واتجاهاته في تقديم جوابٍ عن أسئلته الروحية، ما يعني حاجة الإنسان المعاصرإلى جواب آخر، يعيد له ما افتقده في الأول، وله المقدرة التفسيرية التجاوزية في استيعاب (الإنسان الظاهرة) في مختلف جوانبه، ويحفظ للدين أصالته.

إن البحث في إسهامات الدين والمقدس في تقديم جواب عن الظاهرة الإنسانية من خلال الإشكالات الفلسفية، التي أفرزهاالسياق المعرفي الغربي المعاصر مؤسس على ثلاثة أسس؛ أولها بالنظر إلى ما تحتوي عليه النصوص المؤسسة للأديان الإبراهيمية من معطيات عن الإنسان، تفسيراً وخطاباً، ومن هنا الحاجة إلى دراسة هذه النصوص الدينية، لبيان مقدرتها التفسيرية في مواكبة الإشكالات والتحديات التي يفرزها الواقع المعاصر.

والثاني، نظراً لما يشهده الواقع المعاصر من عودة الإنسان إلى التدين والعناية بالمقدس، وظهور عدد من التيارات الدينية المتطرفة التي تؤسس مشروعها السياسي على الدين والمقدس.

والثالث؛ لما يشكل موضوع تكوين الإنسان وخلقه من أهمية معرفية شغلت حقولا معرفية مختلفة (علم النفس، الأنثربولوجيا الدينية، علم الاجتماع الديني الفلسفة) مع التباين الذي تكشف عنه تلك الحقول في دراستها للإنسان وقصورها في تقديم جواب مستوعب للإنسان في مختلف أبعاده التكوينيةوالروحية...

وتنطلق هذه الدراسة من المؤشرات الدالة على عودة الإنسان إلى التدين والمقدس، وقراءتها ضمن الإشكالات المعرفية التي تولدت في السياق المعرفي الغربي وآثارها على الفكر الإنساني، لأجل البحث عن جواب يستثمر المكون الديني والمقدس عموماً لتجاوز الأعطاب الفكرية والإيديولوجية لمقولات موت الإنسان ونهايته...

I. الإنسان في السياق المعرفي المعاصر.. من التحرير إلى الموت!!

سعت العلوم الإنسانية منذ القرن التاسع عشر الميلادي، إلى تقديم تفسير كلي «للظاهرة الإنسانية»([1])، وبناء فكرٍ علمي موضوعي عنها، بحثا عن جوابٍ لما يختزنه هذا الكائن الفريد، الذي عمر الأرض، منذ أن وجد على ظهرها، غير أن ما سعت إليه هذه العلوم، هو جزء من (المهمة الأساسية) للأديان التوحيدية، التي توازي بحثه عن معرفة الله وحقيقة خلقه للإنسان؛ فحاجة الإنسان الفطرية شكلت هاجساً كبيراً لدى الإنسان في الكشف عن سبب وجوده، ومن ثم مصيره، دفعت الإنسان من حيث هو جوهر مفكر، وكائن أخلاقي إلى التساؤل عن ماهيته، وعن تفهمه لمصدره، وفهمه لعلاقته مع الطبيعة، ودوره فيها. وقد ترك لنا الإنسان في عصور سابقة تدوينات وكتابات قديمة، بدأها على ألواح من الطين، كما هو الأمر مع «ألواح سومر»([2])، أو ما يعرف الآن بالعراق أو بين النهرين، من المدونات التي وجدت في «نينوى»([3])، والمؤلفة من 12 لوحة طينية، والمسماة بـ «ملحمة جلجامش»([4])، التي تقدم لنا تصورا عن الخلق وأطواره الوجودية.

إن ما قدمته النصوص الدينية، وبعض الكتابات في الشرق الأقصى القديم([5]) لمعرفة حقيقة الإنسان ومصيره، وجَّه جُهْدَ الإنسان المعاصر، لكشف حقيقة وجوده الأنطولوجي وغايته، ومادة تكوينه، ساعده في ذلك تعدد المقاربات والمداخل المعرفية، بفعل الثورة التي عرفتها العلوم الإنسانية إبان القرن التاسع عشر، وظهور تيار يبحث عن الإنسان، الذي قضت عليه أغلال الكهنوت، وقيود الكنيسة وعصور الظلام، في أوروبا، ليعلن عصر الأنوار نهاية التسلط والتبشير بإنسانية الإنسان من خلال ظهور «النزعة الإنسانية- L'humanisme»»([6]) أو الأنسنة، التي سعى روادها إلى التقدم بالإنسان، وتحريره من سلطة القيود اللاهوتية، والكهنوتية، والعقلية الإحيائية([7])، والثورة على الأنساق الدينية الكنسية، والبحث عن سلطة أخرى للإنسان، بذلك دخلت الإنسانية من خلال أوروبا القرن التاسع عشر في صراع وتوتر حادين، وصل إلى حد «الخصومة بين المذهب المادي وبين الفلسفة المثالية والعقلية الكهنوتية. وقد بلغ التوتر قمته، عندما أعلن كارل ماركس (Karl Marx) (1818م - 1883م) تفسيره المادي للتاريخ، (..) فهز صَرْحَ الكَهنوُتِ بجحده الأديان»([8]). وتعزز هذا بإعلان تشارلز داروين (Charles Robert Darwin) (1809 - 1882م) لنظريته في كتابه "أصل الأنواع" سنة 1859م، «فـقدمت نظريتُه في نشوء الأنواع، وتطورها بالانتخاب الطبيعي، تفسيراً بيولوجياً لما كان من اختصاص التأملات الفلسفية والغيبيات اللاهوتية»([9])، لتتبلور فرضية إمكانية تفسير الكون والوجود والإنسان بالمادة، ومن ثمة بدأت تتسع الهوة بين رجال الدين ودعاة المذهب الجديد، الأمر الذي جعل إنسانيي عصر الانبعاث يستندون إلى سلطة خارجية، بينما ظل إنسانيو عصر الأنوار يبحثون عن هذه السلطة في ذواتهم، ولئن كانت السلطة لدى أولئك سلطة مشخصة، فقد أمست لدى هؤلاء سلطة مجردة، سلطة العقل الإنساني([10]).

إن غاية النزعة الإنسانية الخروج بالإنسان من سلطة الدين إلى سلطة نفسه، وجعله مركز الكون والاعتقاد في إمكانية تحرير قدراته وتأمين حياته، والاطمئنان إلى مصيره، وتطوير وتنمية طاقته الإبداعية، باختصار يتم النظر إلى الإنسان على أساس «تقاليد ثقافية تسندها مقدمات فلسفية صارمة مبنية على تصور للحياة الدنيا محوره الإنسان بوصفه كياناً مادّياً وحيواناً ناطقاً»([11]). الأمر الذي تقرر مع التأسيس لديانة الإنسان مع الوضعية المنطقية([12]) عند أوغست كونت (1798 - 1857م) «Auguste Comte»([13]) واستجاب له "فيورباخ «Ludwig Andreas Feurbach» (1804 - 1872م) في برلين، حينما اقترحا على أوروبا المسيحية أن تعبد إلها جديدا هو النوع الإنساني([14]). ومقولات تاريخية تتحدث عن «موت الإله»([15]) للفيلسوف الألماني الشهير فريدريك نيتشه([16]) (1844 - 1900م) «Friedrich Nietzsche» والحديث عن "نهاية الإنسان والتاريخ"([17]) - لـ فرانسيس فوكوياما «Francis Fukuyama»([18]) (1952م)، و«صدمة المستقبل»([19])، لـ الفن توفلر «Alvin Toffler» و«صدام الحضارات» أو«الثقافات والأديان» للباحث الأمريكي صامويل هنتنجتون.

لقد أدت هذه المفاهيم، والمقولات، والاتجاهات الفكرية، إلى إفراز وتأصيل نسق فكري وثقافي أوصل أوروبا والغرب عموماً إلى إفراز حضارة «الإنسان الإله» في علاقته بالإله والكون والآخر، وهو ما انعكس على الأنساق والمقولات الفكرية المؤطرة للقرن الحادي والعشرين، الأمر الذي عبر عنه جاك دريدا «Jacques Derrida»([20]) (1930 - 2004م) بتفكيكه"لظاهرة الإنسان، وتقويضه لفكرة الهدف والمركز والحقيقة والمعنى والمرجع، ليفكك آخر ما تبقى من المرجعيات، وليصل بمقولات «موت الإله» و«موت الإنسان» و«موت المؤلف»، إلى أقصى حدودها؛ فيعلن، لا عن موت «الإله» و«الإنسان» و«المؤلف» فحسب، وإنما عن عدم إيمانه بأي شيء أصلاً"([21])، يقول دريدا: «لا أؤمن بكل بساطة بأي شيء: الكتاب، الإنسان أو الله»([22]).

وفق هذا المنظور، تكون المعرفة التي أفرزتها الحضارة الغربية([23])، قتلت الإنسان وأخرجته من كينونته الإنسية، وكان لذلك آثار اجتماعية واقتصادية وثقافية في تشكيل وعي الإنسان الغربي، رغم المجهود النظري الفلسفي، لخطاب النزعة الإنسانية، والتطور المنهجي الحاصل في مجال العلوم الإنسانية والاجتماعية، واتساع السقف المعرفي الذي حمله القرن التاسع عشر الذي تطورت نماذجه التفسيرية في القرن العشرين وبداية القرن الواحد والعشرين.

لقد ظل الإنسان في تطلع دائم إلى إجابات مقنعة وكلية لأسئلته الإنسية، فهما ودراسةً قادرين على تجاوز حالة التناقض والتضاد في تركيبه الفيزيولوجي وأبعاده الروحية، وأسئلته الوجودية، بذلك "يكون الموقف الفكري المعارض للنزعة الإنسانية باسم العلم، على صواب، عندما يصر على ضرورة مراجعة المفهوم الفلسفي عن الإنسان، المنحدر إلينا من العقلانية الكلاسيكية، وفلسفة عصر الأنوار، ذلك المفهوم الذي يرشح الإنسان لأن يكون سيد الكون بدون منازع، وغاية الواقع والطبيعة"([24])، كل هذا النقد الموجه للنزعة الإنسانية، في غاياتها الفلسفية يجعلنا أمام سؤال البحث عن مقاربة تفسيرية أخرى قادرة على تقديم جوابٍ للإنسان، تتجاوز إخفاقات النزعة الإنسانية، وتحفظ للمكون الديني أصالته وفاعليته، الذي أثبت التاريخ قوة استعصاءه عن الإلغاء.

ولعل بعض النماذج الفكرية، والمذاهب الفلسفية التي تسعى أن تشكل بديلاً عن الدين، واستبعاده عن الواقع الإنساني، لم تستطع أن تقود الإنسان إلى واقع أكثر تعبيراً عن تطلعاته وآماله الإنسية، حيث ظهر دائما سعي الإنسان إلى المنزع الديني في حياته، وشدت ارتباطه به ومدى حضوره في واقعه الاجتماعي، وهو ما أكدته الدراسات والأبحاث المهتمة بالدين وعلاقتها بالإنسان مثل؛ «علم الاجتماع الديني»([25])، والأنثروبولوجيا»([26]). إلا أن هذا التقدم النوعي الحاصل في العلوم الإنسانية لم يواكبه بشكل كافٍ التقدم في جعل «الدين» أحد المداخل الممكنة لتفسير الظاهرة الإنسانية، وبشكل خاص مع فشل الفكر المادي المعاصر([27]) في تحقيق سعادة الإنسان، الذي بشرت بها الحداثة الغربية بكل مكوناتها المادية، - بل العكس هو الذي حصل -، فقد أدت الحداثة الغربية إلى ظهور «الإنسان الطبيعي»([28]) و«الإنسان الاقتصادي»([29]) و«الإنسان الجنسي» أو «الجسماني»([30]) ليتحقق وعد الحداثة الغربية في تأكيد مركزية الإنسان في الكون، ولكن تحققها تاريخياً يسير بنا كلنا بخطى حثيثة نحو موت الإنسان، بل وموت الطبيعة"([31]).

إن التعثر الذي آلت إليه الحداثة الغربية، بمقوماتها المادية والاستعمارية([32]) في تحقيق ما بشرت به، وفهم واستيعاب الإنسان، بحيث لم تستطع الاستجابة إلى بحثه الدائم عن السعادة، وهو ما يفسره انتكاسة المشروع الحداثي داخل أوربا في القرن العشرين، حقبة (ما بعد الحداثة) التي خضع خلالها الإنسان إلى منطق توتاليتاري «logiquetotalitaire» أصولي في شرقه وغربه وشماله، كل يدور حول فلكه([33])، وبقي الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يعيش ببعد واحد وفق ما يقوله هربرتماركوزه «Herbert Marcuse»([34]) (1898 - 1979م)([35]).

إن الأسس المعرفية والحضارية التي تكشف تعثر المعرفة الغربية المعاصرة، بمداخلها الفلسفية والفكرية، في استيعاب الظاهرة الإنسانية، "وفشلها يدور في إطار نماذج مادية في تفسير الإنسان وفي التحكم فيه، هي دليل عجزه عن إدراك الظاهرة الإنسانية، وإدراك أن الحلول التي تأتي بها حلول ناقصة"([36]). هذا التعثر يجعل موضوع البحث عن دوائر أكثر استيعاباً لإنسانية الإنسان من الضرورات الملحة على العقل الإنساني المعاصر، وهي ذات راهنية بحثية أساسا في مجال علم الأديان المقارن، لأن الإجابة عن سؤال أنموذج بديل قادر على فهم ومقاربة موضوع الإنسان؛ بالشكل الذي لا يلغي بعدي الظاهرة الإنسانية (الروحية والجسدية)، ويستثمر المجهود المعرفي والمنهجي للعلوم الإنسانية والتطور العلمي المعاصر، ويتيح للأديان الإبراهيمية تقديم مقاربة متكاملة، تستوعب تكوين الإنسان ومجهوده العلمي، ومن ثمة تقديم جواب ديني للواقع المعاصر.

II. عودة القدسي في الواقع المعاصر .. هل تقدم الأديان أنموذجاً تفسيرياً؟

يشهد الواقع المعاصر اليوم عودة قوية للدين، في دائرة التدافع الثقافي، وجعله أرضية البحث لعدد من مراكز الأبحاث، سواء في الغرب أو العالم الإسلامي، والعودة إلى النظر في الدين والمقدس([37]) عموما؛ نقدا وتقويما، وتجديد منهج قراءته؛ عند النخب الدينية والإسلامية والمسيحية، أو من قبل نخب فكرية وثقافية، ترى في المقدس عائقاً للتقدم والتنوير، ومن ثم السعي الحثيث إلى تقويض الأديان والعقائد.

ونستعرض في هذا العنصر، جوانب من الأسس الفلسفية والفكرية لأهمية الدين وعلاقته بالإنسان، وإبراز سمات ومؤشرات العودة إلى الدين في الواقع المعاصر، التي ينطلق منها البحث لإقامة دعواهعلى أهمية تقديم جواب ديني للإنسان.

1. الأسس الفكرية والفلسفية لأهمية الدين

ساعد انتشار حالة اللاتدين([38])، وغطرسة الغرب الاستعمارية، ورغبته في تعزيز مركزيته - التي شكلت دافعاً قوياً لانبثاق عدد من الحركات الأصولية المتطرفة - . على اشتداد الصراع بين منظومة تسعى إلى التخلي عن الدين والتدين في الاجتماع والسياسية والاقتصاد والحياة بشكل عام، وفي أحسن الأحوال الدعوة إلى تدين ودين علىمقاس حركية السياسي والاجتماعي؛ ثم جهة أخرى ترى في الدين مرجعاً مؤسساً للتشريع والاجتماع والسياسية والاقتصاد، بل تعتبره القادر على إعادة الاعتبار للمجتمع في الحالة الإسلامية، وصنف ثالث ينظر إلى الدين من خلال إجابته على حاجة الإنسان الروحية والاجتماعية، لكنه يعطي له من الحرية ما يدبر به شأنه الاقتصادي والسياسي. والنظر في أثره على حياة الأفراد ضمن سياق ثقافي سياسي متسم بالدينامية والتحول بشكل كبير. الكل يتجه فيه إلى الخطاب الديني والعمل على إعادة قراءته على ضوء المعطيات السياسية، الاجتماعية، والمتغيرات الإقليمية والدولية.

إن اعتبار الدين أنموذجاً تفسيريا، كانت بدايته مع عدد من الفلاسفة الذين اعتبروا دراسة معتقدات الإنسان مدخلاً لدراسته؛ ذلك ما عبر عنه ول ديورانت «Will Durant»([39]) (1885 - 1981م) بقوله: «ليس في وسعنا أن ندرس الإنسان على الإطلاق إلا إذا درسنا آلهته»([40]). هذا يجعل من حضور الدين في حياة الإنسان، معطى ضرورياً وأساسياً أثبت التاريخ قوة ارتباط الإنسان به، فقد «نرى في السابق، أو الحاضر، مجتمعات إنسانية لا حظ لها من علم أو فن أو فلسفة، ولكنا لا نعرفقط مجتمعا لا دين له»([41]). وحتى الذين عملوا على تغييب الدين واستبداله بفلسفات لم يسعفهم مجهودهم الفكري في إزالة الدين من حياة الإنسان، بسبب قوة الاعتقاد الديني، واستعصاء انتزاعه من أطر التفكير البشري، وكذا من أنساقه الثقافية، وبسبب حتمية فشل الفكر المادي ونهايته، وبقاء التدين علامة على ملازمته للإنسان، وقد عبر العلامة عبد الله دراز([42]) على ذلك بقوله: «إن من الممكن أن يضمحل كل شيء نحبه، وأن تبطل حرية استعمال العقل والعلم والصناعة، ولكن يستحيل أن ينمحي التدين، بل سيبقى حجة ناطقة على بطلان المذهب المادي الذي يريد أن يحصر الإنسان في المضايق الدنية للحياة الأرضية»([43]).

لقد تعزز الاهتمام المبكر لعدد من الفلاسفة والمفكرين بموضوع الدين والنظر إلى أهميته في حياة الإنسان بالاهتمام المتزايد للعلوم الإنسانية والاجتماعية في دراسة الدين وقضاياه، مع التقدم النوعي الذي أحرزته دراسة النصوص الدينية في علم الأديان المقارن([44]) بشكل خاص، وهي نتيجة طبيعية لـ«عودة الدين» أو«القدسيّ» عموماً إلى الفضاء العام، من خلال بروز الصحوة الدينية العالمية، وظهور الحركات الأصولية والمتطرفة، التي تنطلق من الدين سواء في الغرب المسيحي أو العالم الإسلامي، فظهرت نتيجة لذلك عدد من مراكز الأبحاث جعلت من الدين موضوعا لها؛ مثل مركز «بيو»([45]) بالولايات المتحدة الأمريكية. فما هي مؤشرات العودة إلى الدين في الواقع المعاصر.

2. مؤشرات عودة الدين والقدسي في الواقع المعاصر

يمكننا رصد سمات هذه العودة إلى الدين والقُدسِيات في الواقع المعاصر، من خلال جملة مؤشرات دينية، سواء في الأديان التوحيدية الإبراهيمة أساساً، أو حتى الأديان الوضعية في أشكال وصيغ متنوعة. نجد هذه العودة إلى الدين مزدهرة في أوروبا وأمريكا؛ «ففي فرنسا مثلاً، عادت إلى الوجود بعض الممارسات التقوية، مثل الحجّ إلى المزارات. وفي إيطاليا وإسبانيا بنوع خاص في الأعياد الدينية، نحو تطوافات الجمعة العظيمة والتركيز على آلام المسيح وموته. ومعروف أن بولونيا قد حافظت على هويتّها الدينيّة إبّان الحكم الشيوعيّ بفضل طقوسها الدينيّة وأعيادها الوطنيّة ورحلات حجّها. وفي أمريكا اللاتينيّة حيث امتزجت، منذ بداية التبشير، طقوس الكنسيّة وشعائرها وعباداتها، بعناصر من ديانات شعوب تلك البلاد وثقافاتها»([46]). وقد شهدت أوروبا مؤخراً دعوات متكررة لعودة الدين وظهور عدد من الطوائف الدينية، وعقد مجموع من المؤتمرات والملتقيات والندوات لدراسة وبحث الحالة الدينية، وإعلاء كلمة الرب، وإسقاط كلمة نيتشه وماركس وحصار الإسلام. وتعد تلك المؤتمرات السنوية المتخصصة في بحث الحالة الدينية المسيحية مؤشرا دالاً على الرجوع إلى النظر في (الدين) وبحث دوره في مواكبة التحولات التي تعيشها العالم.

ومن نتائج هذه العودة ما شهدته النصرانية من حركة إعادة الانتشار؛ فغادرت معاقلها السابقة التقليدية بأوروبا نحو مناطق وجهات أخرى، خاصة الأمريكيتين والقارة الأفريقية والقارة الآسيوية([47]).ويوجد في أوربا الغربية «تيّار روحانيّ قويّ يركّز على الاختبار الروحيّ والصلاة الشخصيّة، وهناك أماكن للحياة الروحيّة في أوج انطلاقها تستميل علمانيّين يبحثون عن المطلق. وهناك أيضاً حركات روحيّة اجتماعيّة تنمو في إطار الكنائس والرعايا كفرق الحياة المسيحيّة وفرق عائلات مريم وبيوت المحبّة ومدارس الإيمان ومدارس الإنجيل وبيوت للرياضات الروحيّة. وبالإضافة إلى ذلك، نذكر أن في فرنسا مثلاً أعداداً كبيرة يستعدون للمعمودّية في دورات الموعوظين و«العائدين إلى الإيمان»، تقام بعدها احتفالات تعميد البالغين من مختلف الرعايا وفي أثناء الليلة الفصحية من كل سنة»([48]).

وحتى اللادينيين شهدوا على عودة الدين من خلال ما قام مجموعة من الملاحدة المنكرين للألوهية والدين والتدين في بريطانيا مع مطلع سنة 2013م من إنشاء معبد خاص بالملحدين سموه «كنيسة بلا موعظة ولا إله»، لها طقوسها واجتماعاتها ومراسيم دفن موتاها. ويؤكد المؤسسون والأتباع أنهم يريدون أن يقدموا الخير للناس والعيش في تضامن دون أي دين، بل يريدون أن يخرج الناس من الكنائس التقليدية وينخرطوا في كنيستهم، أي من دين إلى دين، ومن عبادة إلى أخرى، وهذا حجة على تعبدية الإنسان وتعلقه بالدين([49]).

أما الصحوة اليهودية، فتعتبر الدولة العبرية التي زُرعت في قلب العالم الإسلامي، بخلفية وأُسس دينية؛ وَعد الرب، وأرض الميعاد، وجبل صهيون، بل إنها اختارت لنفسها اسماً توراتيًّا يُعلن عن الهوية الدينية للدولة([50]). ويرافق ذلك حركة استيطانية سعياً لتحقيق وعود التوراة.

وفي العالم الإسلامي، فثمة أكثر من مؤشر على العودة الكبيرة والجماعية للدين والتدين في المجتمعات العربية والإسلامية، سواء منه التدين الرسمي أو الشعبي، ويكفي الإشارة إلى أن نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين شهد ما عرف بـ «الصحوة الدينية»، وهو مصطلح يشير إلى إحياء وبعث الدين الإسلامي في جميع أنحاء العالم الإسلامي، وهي صحوة بدأت تقريبا في عام 1970م، وتتجلى مؤشراتها في الإقبال المتزايد على ثقافة اللباس الإسلامي، وانتشار الثقافة الإسلامية ومصطلحاتها، والإعلام، ومحاولة الفصل بين الجنسين في المدارس، ودور التربية والتعليم، وبروز ظاهرة الدعاة والخطب المنبرية والمواعظ الدينية، والإقبال المتزايد على شعب التربية الإسلامية في الجامعات العربية والإسلامية، وأحد الأمثلة البارزة على نجاح الصحوة ودعاتها هو زيادة الحضور في الحج إلى مكة المكرمة. وبالموازاة مع هذا الإقبال الجماهيري والشعبي، برز توجه رسمي من خلال الثورة الإيرانية عام 1979م، فأنشئت بذلك الجمهورية (الإسلامية) في إيران بزعامة الخميني.

لقد تزايدت مؤشرات العودة إلى الدين مع ارتفاع الصحوة الإسلامية في التسعينيات من القرن الماضي، فـ "حروب البوسنة والهرسك والشيشان، وكشمير، وسحق الإسلاميين في الجزائر، رغم فوزهم بالانتخابات، واستمرار الممارسات الصهيونية في فلسطين، ثم حرب كوسوفا في نهاية التسعينيات. كل هذا وغيره جعل بداية الألفية الثالثة بداية حافلة، وتفجر الانتفاضة الفلسطينية الثانية والثالثة في قطاع غزة 2008م - 2009م، وما خلفته أحداث الحادي عشر من سبتمبر، واحتلال أفغانستان ثم العراق، من تعاطف شعبي إسلامي، وحرب لبنان 2006م، وعودة الإساءات المتعمدة للإسلام وللنبي r وللقرآن في البلاد الغربية"([51]). إضافة إلى صعود عدد من الحركات الإسلامية إلى الحكم خلال أحداث الثورات العربية التي حضر فيها المعطى الديني؛ حيث «استندت الانتفاضات الشعبية التي شهدها العالم العربي إلى الدين، (...) وهو تعبير عميق عن تجذر القيم الدينية الفطرية في النفس البشرية الرافضة للظلم والقمع والاستبداد، والباحثة عن الكينونة والعدل والحرية»([52]).

ومن مظاهر حضور الفكر الديني في هذا العصر كذلك سعي بعض علماء الطبيعة، إلى تكوين فرق من العلماء المتدينين، بحثاً عن البراهين والحجج على ربانية الخلق والخليقة وفطرية الإيمان في الإنسان والعالم المخلوق. وتوجد في معظم الجامعات الغربية كليات وشعب مختصة في دراسة الظاهرة الدينية، وأنشئت مراكز ليس لها من شغل إلا تحليل الدين وتحولاته، وتنافس الإعلاميون أبناء الشبكة العنكبوتية في بناء مواقع لرصد الفعل الديني. وبرزت أسماء كثيرة لدى الغربيين اعتبرت أعلاما بارزة في دراسة الدين.([53])

ثمة إذن ما يؤشر على الاهتمام المتزايد بالظاهرة الدينية، سواء في العالم الغربي المسيحي أو الإسلامي، كشفت عنه تقارير ترصد حركية التدين، الدين؛ حيث توصلت دراسة معهد غالوب حول "توجهات التدين عبر العالم"، والتي صدرت نهاية شهر غشت 2010 إلى أن «الدين مازال يلعب دوراً مهماً في حياة العديد من الناس، الذين يعيشون في العالم. وأن النسبة المتوسطة العالمية للبالغين الذين قالوا بأن الدين جزء أساسي في حياتهم اليومية بلغ 84%، وهو رقم لم يتغير كثيراً عن النسبة التي توصلت إليها غالوب في السنوات الماضية؛ ففي عشر دول ومناطق على الأقل هناك %98 قالوا بأن الدين أساسي في حياتهم اليومية»([54]). وقد شملت الدراسة التي أنجزت خلال سنة 2009م، 114 دولة عبر العالم. وتوضح الأرقام التي احتواها التقرير الصادر عن مركز «بيو» في أبريل 2014م، حول التعددية الدينية في العالم، - والذي شمل خمسة أديان عالمية وهي (الإسلام والمسيحية واليهودية والبوذية والهندوسية) -، الانتشار الذي تشهده هذه الأديان ومدى حضورها في الحياة المعاصرة.

وقد شمل التقرير عددا من الدول، يرصد فيها أي الأديان الخمسة أكثر انتشاراً، وقياس التعددية الدينية فيها؛ وتصدرت الترتيب اثنتا عشرة دولة لديها درجة عالية جداً من التنوع الديني، تتموقع ست منها في منطقة آسيا والمحيط الهادئ (سنغافورة وتايوان وفيتنام وكوريا الجنوبية والصين وهونج كونج)؛ وخمس منها في أفريقيا جنوب الصحراء (غينيا، بيساو، وتوغو، وساحل العاج، وبنين، وموزامبيق)؛ بينما تنتمي دولة واحدة فقط إلى أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، وهي دولة (سورينام).

وبخصوص وضعية العالم العربي، فيصف التقرير نتائجها بالسلبية عموماً، إذ لا توجد أية دولة عربية بين الدول التي تضم درجة عالية جداً من التنوع الديني.أما الدول ذات درجة عالية من التعددية الدينية، فتضم 36 دولة، من بينها أربع دول عربية فقط هي: جنوب السودان، قطر، لبنان، والبحرين.أما الدول ذات تعددية دينية معتدلة فيصل عددها إلى 47 دولة، من بينها دولتان عربيتان فقط هما على التوالي: الكويت والإمارات العربية المتحدة. بينما تنتمي باقي الدول العربية إلى مجموعة الدول ذات تعددية دينية منخفضة، وفي المراتب المتأخرة عموما: عمان (2.9)، السودان (2.0)، سوريا (1.6)، المملكة العربية السعودية (1.5)، مصر (1.1)، ليبيا (0.7)، الأردن (0.6)، السلطة الفلسطينية (0.5)، الجزائر (0.5)، العراق واليمن وموريتانيا بمعدل (0.2)، تونس والصومال (0.1)، وفي المرتبة الأخيرة يأتي المغرب بمعدل (0.0)([55]).

إن المعطيات والأرقام التي رصدها التقرير تبرز جوانب مهمة من العودة إلى الدين في الواقع المعاصر، الأمر الذي يكشف عن حركة تدين معاصرة، ويعكس بحث الإنسان عن حلول أخرى لإشكالاته الروحية، فشلت فيها الحداثة المعاصرة؛ كما أنها تظهر أيضاً حاجة فطرية لذا الإنسان أكدها القرآن في: ﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًاۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَاۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِۚذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾([56]).

هذه العودة، إذن هي عودة الإنسان لأصله الذي فطره الله عليه، لكنها في الآن ذاته تجعل الأديان الثلاثة (اليهودية، المسيحية، الإسلام) إزاء تحديات أمام أسئلة الإنسان المعاصر - المسلح بالتقنية وأحدث ما توصلت إليه البشرية في مختلف أصناف المعرفة -، لهذه الأديان.

خلاصة:

بناء على ما تقدم تتضح الحاجة إلى استثمار العودة إلى القدسي والديني في الواقع المعاصر، لأن العودة إلى الدين في حقيقة الأمر هي إعلان الإنسان عن فشل الإيديولوجيات الفكرية، والسياسية في الاستجابة لتطلعاته وآماله، ومواكبة تحديات الحياة بمتغيراتها النفسية والثقافية والاجتماعية، بفعل التحولات الكبيرة التي طرأت على العقل الإنساني. وبحثه (الإنسان) المتزايد عن جواب لإشكالاته في (القدسي) بشكل عام؛ حيث تتيح معطيات الأديان الثلاثة (اليهودية، المسيحية، الإسلام) تقديم مقاربة دينية - تفسيرية للظاهرة الإنسانية، قادرة على التأسيس لرؤية تشاركية تتجاوز التحديات التي دخلت فيها الإنسانية بسبب الفكر المادي، الذي يقوض كلما هو روحي في الحياة، ويعمل على إلغاء دور الدين في الوجود الإنساني.

(نشر بإذن خاص من مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث mominoun.com ).

 

المصدر: 
مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث
موضوع المقالة: 

معلومات المقالة

إضافة تعليق

Image CAPTCHA
أدخل الرمز الموجود في الصورة.