المواطَنة التي لم تكتمل بعد…

الثلاثاء, March 6, 2018
كاتب المقالة: 

تَستعرِض هذه المقالة أبرز ما جاء في رحلتَيْ عَلمَيْن من أعلام النهضة العربيّة إلى فرنسا، هُما الطهطاوي (1801 -1873) وجرجي زيدان (1861 -1914)، وذلك على الرّغم من المسافة الزمنيّة الفاصلة بين الرحلتَيْن، والتي تتجاوز العقود السبعة، متقفّيةً بذلك معالِم الحضارة الغربيّة من منظور هذَين الرجلَين العظيمَين، ولاسيّما منها ما يشير إلى بدايات تكريس دولة القانون والمؤسّسات والفكر العقلانيّ، وما يستتبعهما من روح "المُواطَنة" لدى الشعب، بحسب المدلول الغربيّ للعبارة، الذي كرّسته فلسفة الأنوار في الدول الديمقراطيّة المُعاصِرة.

ثمّة مستويات أساسيّة عدّة جعلت الشرق، وبلدان المنطقة العربيّة، الرازحة في النصف الثاني من القرن الثامن عشر تحت نير السلطنة العثمانيّة المُتهالكة، والتي سمّيت بالرجل المريض، أمام تحدٍّ تاريخيّ، كرّسه دخول نابليون مصر(العام 1798)، وما رافقه من اكتشافات للغرب الذي كان قد بلغ شوطاً آنذاك في تطوّره على الصعد الاجتماعيّة كافّة. وما هاتان الرحلتان، على اختلاف تاريخهما، إلّا تجسيدٌ أدبيٌّ لهذا التحدّي الذي يشي به مضمونهما، وذلك بدءاً من الأهداف التي حدّدها كلٌّ من كاتبَيهما.

لم يكُن هدف رفاعة رافع الطهطاوي في رحلته إلى باريس (في"تخليص الإبريز في تلخيص باريز أو الديوان النفيس، بإيوان باريس" (1834)، أو هدف جرجي زيدان في رحلته إلى أوروبا كذلك (في "رحلة إلى أوروبا 1912"، التي خصَّص الجزء الأكبر منها لفرنسا) "ذكر السفر ووقائعه" (الطهطاوي)، ولا " ذكر رحيلنا أو نزولنا وما لاقيناه أو كابدناه في أثناء ذلك على ما جرت به عادةُ أهل الرحلة" (زيدان)، بل كان الهدف إفادة القارئ العربيّ وتعريفه بمنجزات الغرب.

توخّى الطهطاوي أن تشتمل الرحلة على "ثمرة" السفر و"غرضه"، و" إيجاز العلوم والصنائع المطلوبة، والتكلّم عليها"؛ فيما قصر جرجي زيدان مشاهداته على "ما يهمّ القارئ الشرقيّ من حيث حاجته إلى تحدّي مدنيّة أولئك القوم في نهضته" وتبيان "ما يحسن أو يقبح من عوامل تلك المدنيّة بالنَّظر إلى طبائعنا وعاداتنا وأخلاقنا".

لن نعرض في هذه المقالة الجانب المُلتبِس من علاقتنا بالغرب الحضاريّ، كما يتجلّى من خلال الرحلتَيْن، ولاسيّما أنّ علاقتنا بالغرب شغلت، ولمّا تزل، الاجتماع العربيّ بغالبيّته، وجعلت الثقافة العربيّة نفسها تتأرجح بين ثنائيّات لم يجرِ حسمها حتّى الآن، مثل الإيمان والكفر، الدّين والعِلم، العقل والغَيب… إلخ. إنّ جلّ ما نرمي إليه، هو بعض المعالِم الحضاريّة التي توقّف عندها الكاتِبان، بغضّ النّظر عن التبعيّة والدونيّة التي حكمت تلك العلاقة، والتي عكستها كذلك عبارة جرجي زيدان منذ أكثر من قرن في خلال تحديد هدفه من الرحلة، وهو النَّظر " في ما يهمّ قرّاء العربية من أحوال تلك المدنيَّة التي أخذنا في تقليدها منذ قرن كامل ونحن نتخبّط في اختيار ما يُلائم أحوالنا منها".

المَعالِم الحضاريّة التي نرمي التوقّف عندها تتجاوز كلّ ما ذكره الكاتبان من إيجابيّات عن العلوم والصنائع والثقافة والفنون، وعن وضع التعليم المدرسيّ والجامعيّ، والمكتبات العامّة والمتاحف وغيرها، ناهيك بالأسواق، والطرقات، والمنتزهات، وعادات المأكل واللّباس…وغيرها الكثير. إنّ جلّ ما آثرنا التوقّف عنده هو   سمات أو أوجه المُواطَنة الحقّة. ومن أولى هذه السمات مَيل الفرنسيّين إلى الاقتصاد والتوفير؛ فالفرنسي بحسب جرجي زيدان "مقتصد من فطرته، وترى الاقتصاد ظاهراً على الخصوص في القرى"؛ والفرنسيّون أيضاً "مشهورون بالاقتصاد والاحتفاظ بالمال".

أمّا الطهطاوي، فرأى أنّ "مدينة باريس من أعمر المُدن وأكثرها صناعة ونجامة، فلذلك كثرت مارستاناتها وجمعيّات فعل الخير بها(…) لخلل شحّ أفراد أهلها وبخلهم"، وقوله كذلك – أي الطهطاوي- "ومن جملة أسباب غنى الفرنساوية أنّهم يعرفون التوفير، وتدبير المصاريف، حتّى أنّهم دوّنوه، وجعلوه علماً متفرّعاً من تدبير الأمور الملكيّة". فالتوفير هنا هو بعكس التبذير الذي عرفه مواطنو الشرق، ويدخل في صلب "التنمية" – إذا ما جاز التعبير- التي تعود بالنفع على الدولة والمجتمع، وذلك بخلاف الإنفاق الاستهلاكيّ الاستعراضيّ الذي لا تزال تتميّز به مجتمعاتنا في ظلّ إهمالٍ كبير لثقافة الإرشاد الاستهلاكي. لذا يضيف الطهطاوي أنّه "لمّا كانت رعيّتهم رائعة كانت الدولة عندهم لها إيراد سنويّ عظيم، فإنّ إيراد الدولة الفرنساوية كلّ سنة نحو تسعمائة وتسعة وثمانين مليوناً من الفرنكات (…) وقد سمعتُ أنّ قريب ملك الفرنسيس مقاماً، وأكثرهم غنىً، له من الأتباع وسائر من طرفه من العساكر ونحوها (كالبستانجية) والخدم وغير ذلك نحو أربعمائة نفس لا غير، والفرنساوية يستكثرون ذلك عليه فانظر الفرق بين باريس ومصر، حيث إنّ العسكري بمصر له عدّة خدم".

أمّا القانون فكان فوق الجميع، فلم يكُن ملك فرنسا مطلق التصرّف على حدّ تعبير الطهطاوي، إذ إنّ "السياسة الفرنساوية هي قانون مقيَّد بحيث إنّ الحاكِم هو الملك بشرط أن يعمل بما هو مذكور في القوانين التي يرضى بها أهل الدواوين"، وهذا القانون المقيِّد عبارة عن ميثاق مكتوب La Charte ، "وإن كان غالب ما فيه ليس في كِتاب الله تعالى، ولا في سنّة رسوله صلّى الله عليه وسلّم، لتعرف كيف قد حكمت عقولهم بأنّ العدل والإنصاف من أسباب تعمير المَمالك وراحة العِباد، وكيف انقادت الحكّام والرعايا لذلك، حتّى عمرت بلادهم، وكثرت معارفهم، وتراكَم غناهم، وارتاحت قلوبهم، فلا تسمع فيهم مَن يشكو ظلماً أبداً، والعدل أساس العمران". وهو الأمر الذي تكرّس زمن جرجي زيدان بقيام النظام الجمهوري الذي تثبّت على حدّ قوله في العام 1875 بقانون دستوري وتعدّل ليقضي بأن "ترجع قوّة التشريع إلى مجلس الأمّة، ومجلس الشيوخ، وقوّة التنفيذ إلى رئيس الجمهورية والوزارة".

تشير ملاحظات الطهطاوي، أو على الأصحّ مشاهداته، إلى بذور المُواطنة ذات الأصول اللّاتينية والإغريقية، والتي تعني مُشاركة الفرد في الشؤون العامّة (المدنيّة) بوصفه فرداً كامل العضويّة في المجتمع السياسي، والمساواة القانونيّة، وبما يحتِّم عليه المُشارَكة في الحياة العامّة والالتزامَ بما له من حقوق وما عليه من واجبات. إنّها المُواطَنةُ التي بدأت تتبلور في زمن جرجي زيدان، فجعلت من فرنسا على حدّ قوله "قدوة المَمالك المتمدّنة في روح المدنيّة الحديثة".

مَعالِم من مُواطَنة الغرب

ولئن كنّا لسنا بصدد تقويم هذه الآراء، ولاسيّما لجهة التناقض الذي حمله الفكر اللّيبرالي لنهضويّي القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين بفعل محاولات التوفيق بين الإسلام والمدنيّة الغربيّة، فإنّنا نتوقّف عند مظاهر "المُواطَنة" التي أشار إليها كلّ من الطهطاوي وجرجي زيدان في استعراضهما مآثر باريس والغرب عموماً، من دون أن يتطرّقا إلى التسمية، وبعيداً بالطبع عن المواطَنة بمفهومها الإسلاميّ؛ حيث تركّز همّهما على مُقارَنة تلك المدنيّة بالتخلّف الشرقي، واعتبار أنّ الغرب تقوّى بالعدل، كما هو الأمر عند الطهطاوي، وبمنجزاته العلميّة والثقافيّة والتقنية كما هو الأمر عند زيدان. في حين أنّ أهمّية تلك المشاهدات تكمن في دلالاتها على روح المُواطَنة وأخلاقيّاتها التي كانت قد تشكّلت آنذاك في الغرب، ليست لدى الحُكّام فحسب، بل لدى المواطنين أيضاً. وهو الجانب الذي ركّز عليه زيدان كثيراً. فعن معرفة الواجب يقول إنّها "تعني أن يشعر الإنسان بما عليه فيؤدّيه من تلقاء نفسه بدون استحثاث أو إرهاب أو ترغيب- لو فعل ذلك كلّ إنسان لاستغنى الناس عن الحكومات وأبطَلت المَحاكم. ولكنّ الناس يتفاوتون في هذا الباب وأكثرهم شعوراً بالواجب أقربهم إلى المدنيّة والارتقاء. وهو يستلزم الأمانة وهي أساس المعاملات وأكبر أسباب النجاح- ما أجمل أن يشعر الإنسان بما عليه فيؤدّيه بلا وازع أو مراقب. والفرنساويّون من أكثر الأمم شعوراً به، وكذلك الإنكليز". أضف إلى ذلك الثقة المُتبادَلة بين الناس الناتجة عن "الأمانة المَبنيّة على معرفة الواجب"، واحترام قيمة الوقت وصدق المواعيد وهي برأيه تابعة كذلك "للشعور بالواجب". وهو إذ يشيد بأخلاقيّات الفرنسيّين وطبائعهم، يستدرك قائلاً إنّ كلامه لا يعني "خلوّ تلك البلاد من أصحاب الأخلاق الضعيفة، ولكنّهم أقلّ ممّا عندنا، كما أنّنا لا نعني ضعف الثقة عندنا في كلّ الطبقات وإنّما نريد الأغلبيّة". ذلك أنّ جلّ ما يقصد هو أنّ التمدّن الحقيقي يستتبع بالضرورة قيام مثل هذه الصفات وغيرها من الصفات الراقية التي ذكرها والتي تطبع الأمم.

الافتتان بباريس والإعجاب بها لم يكُن، سواء عند الطهطاوي أم زيدان، افتتاناً بقشور المدنيّة. ولعلّ زيدان قد عبّر بشكل أفضل عن ذلك حين قال إنّ باريس ارقى مُدن فرنسا، غير أنّ "الذاهب إليها من مصر لا يجد فيها ما يدهشه من حيث ظواهر المدنيّة الحديثة كالشوارع الواسعة، والأبنية الفخيمة، والأنوار الكهربائيّة، وازدحام الأقدام والبذخ في الألبسة والتفنّن في الأزياء لأنّ في مصر أمثلة من ذلك، لكنّها في باريس أفخم وأجمل. ولا غرو، فإنّ حضارة مصر الحديثة صورة مصغّرة من حضارة باريس"، مشيراً إلى الخديوي إسماعيل ابن إبراهيم باشا الذي حكم مصر من سنة 1863 إلى سنة 1895، والذي اشتهر بمشروعاته العمرانية والثقافية في محاولة بنائه قاهرة جديدة على غرار العاصمة الفرنسية باريس، إلى حدّ توصيفها من البعض، ومنهم الطهطاوي، بأنّها "قطعة من أوروبا"، وذلك حين اعتبر الطهطاوي مدينة الإسكندرية "عيّنة" من مرسيليا  و"أنموذجها"، ووجدها "قطعة من أوروبا"، وهو توصيف، نورد بالمناسبة أنّ الروائيّة المصرية الراحلة رضوى عاشور استعارته عنواناً لإحدى رواياتها الرائعة (التي صدرت في العام 2003) في نقد حداثتنا وما رافقها من إشكاليّات.

أمّا المواطَنة التي أشرنا إلى بعض ملامحها، فهي كما يتبيّن، لا تولد من عدم، بل تُرعى وتُدارى لكي تنمو ويشتدّ عودها لدى المواطنين، فلا غرو إذا انتهى زيدان في تتبّعه للسوريّين وإنجازاتهم في باريس إلى القول: "وقس على ذلك ممّا يدل على اقتدار الشرقي على مجاراة الغربي إذا تساوت الأسباب والوسائل"، ثمّ تكرار قوله "إنّ "الشرقيّين إذا توفّرت لهم الأسباب جاروا أرقى الأُمم المتمدّنة".

المصدر: 
مؤسسة الفكر العربي
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

Image CAPTCHA
أدخل الرمز الموجود في الصورة.