الخطاب الثقافي – المعرفي عند مالك بن نبي للدكتور محمد جلوب الفرحان (2)

الأربعاء, July 26, 2017

الفصل الثاني..حضور المصادر الثقافية المعرفية العربية:ركز هذا المبحث على سؤالين مهمين وهما : ما نوع المصادر العربية التي قرأها مالك ؟ وما هي الأثار التي تركتها في بنية الخطاب الثقافي المالكي ؟ كونت مجموعة من المصادر الثقافية العربية ، التي عثر عليها مالك في مكتبة النجاح ، ينابيع أساسية في تشكيل إتجاهه الثقافي المعرفي . ولعل من أهم هذه المصادر كتابين : الأول ” كتاب الإفلاس المعنوي للسياسة الغربية في الشرق لأحمد رضا ” . والثاني ” رسالة التوحيد للشيخ محمد عبده ، وقد تولى الشيخ مصطفى عبد الرازق ومستشرق فرنسي ترجمته للفرنسية ” (مالك بن نبي ؛ مذكرات شاهد العصر ، ص 66) .

لقد ترك كتاب أحمد رضا أثاراً عميقة في شخصية مالك الفكرية ، إذ حفزه على إنجاز تحولات فكرية لصالح التراث . وكذاك كان له دور مهم في صياغة هويته الثقافية . إن كتاب الإفلاس عرض حسب الإفادات المالكية الكثير من الشواهد عن ” بهاء المجتمع الإسلامي في ذروة حضارته ” (المصدر السابق) . ولعل الحصيلة الناتجة من قراءة هذا الكتاب ، طاقة فكرية مكنت مالك من صياغة معياره المعرفي لقياس “البؤس الاجتماعي” الذي يعيشه المجتمع الاسلامي ” في العصر الحاضر ” (المصدر السابق) .

 كما ولعب كتاب الشيخ محمد عبده دوراً فاعلا مثلما فعل كتاب أحمد رضا ، وبتقدير مالك إن مقدمة رسالة التوحيد قد أكدت على ” غنى الفكر الاسلامي عبر العصور ” (المصدر السابق) . ومن طرف تأثير هذه القراءة على نهج مالك الثقافي المعرفي ، إنها كونت ” قاعدة ” مكنته من إصدار حكم بحق واقع الفكر الاسلامي . قاعدة مالكية قررت فقر الفكر الاسلامي وحاله ” المحزن اليوم ” (المصدر السابق) .

   ومن المصادر المهمة والتي تركت أثارها الحاضرة في الخطاب الثقافي المعرفي المالكي ، هو القرأن الكريم . إلا ان هذه المرة لم يكن التأثير من خلال القراءة ، وانما من خلال الصحبة والزمالة اللتان وفرتا لمالك فرص الحوار الثقافي والتبادل المعرفي . فقد لعبت مثابرة زميل له في توجيه نزعته الفكرية نحو مضمار ” تفسير القرأن ” . إن كل هذا حدث من خلال الحوار مع الزميل “محمد الساعي ” والذي إستحضرت اسمه ذاكرة مالك يوم كتابة ” مذكرات شاهد العصر ” .

  مكن هذا الحوار الخطاب المالكي ، من الإمساك بقائمة من الآيات الكريمة التي تم إستثمارها لمعالجة قضايا المجتمع الإسلامي يومذاك . فقد أشار مالك الى أثار الساعي الفريدة في نهجه في الكتابة والتفكير وبالإفادة القائلة : ” كنت أستمع الى طريقته في توجيهه الآيات القرأنية لتتخذ تفسيراً إجتماعياً لحالة المجتمع الإسلامي الحاضرة وكان ذلك يؤثر في نفسي ” (المصدر السابق ، ص 67) .

   ومن المصادر الثقافية العربية التي قرأها مالك وتركت أثارها في مابعد على الخطاب المالكي ، المصادر التي قدمت الأدب العربي والمتمثلة بديوان الشعر العربي قديمه وحديثه . ومن خلالها وقف على عبقرية الشاعر الجاهلي ، ومن ثم أدرك بفهم عال على ما حققه الشعر المتولد في الفترتين الأموية والعباسية ، وما أنجزه من صعود الى الطوابق العليا من طوابق الإبداع والجمال من عمارة الشعر العربي . ونحاول هنا إن نجعل من إفادات مالك تقول كلمتها بحق الأثر الذي تركته على خطابه النازع الى تقويم جمالية الشعر العربي ” فقد استرعى اهتمامي  أُمرؤ القيس ولذ لي إستماع الشنفرى ، وإسترسل لي عنترة في أحلام البطولات ، أما الفرزدق والأخطل وأبو نؤاس فقد مارس كل منهم إغراءه في نفسي ” (المصدر السابق ، ص ص 67 – 68) .

      ونحسب إن قائمة أخرى من مصادر الثقافة العربية قد تداولها مالك وأبناء جيله ، وكان لها أثرُها على إهتماماتهم الأدبية والثقافية . وهذه المصادر تمثلت في دواوين مجموعة من شعراء العرب من أمثال ” حافظ ابراهيم والرصافي ” ، كما أكتشف مالك وأبناء جيله ” شعراء العربية في المهجر كجبران خليل جبران وإيليا أبي ماضي ” (المصدر السابق ، ص 68) . كما وأثرت كتابات ” المنفلوطي ” : ” النظرات والعبرات ” على مالك وأبناء جيله . وحسب الإفادة المالكية ، فأن هذين الكتابين تركا ” فينا الكثير من التنهيدات ” (المصدر السابق) .

   كما إن مالكا قرأ العديد من الصحف التي كانت تصدر بالعربية ، والتي ظل لها حضوراً في ذاكرته . إن هذا الحضور يؤكد على إن هذه الصحف تركت أثرها على خطابه الثقافي المعرفي . فمثلا إن مالكا قرأ ” صحيفة الإقدام التي كان يصدرها الأمير خالد ” (المصدر السابق ، ص 83) . وكان يطالع كذلك “صحيفة تونسية تكتب بالعربية هي ( العصر ) قد بدأت تصل الى تبسة لأنها تخصصت بشؤون العالم الإسلامي ” (المصدر السابق) . وعرف المجلة التي كانت تصدرها شركة الشيخ ( ابن باديس ) المعنونة  ” الشهاب ” والتي يذكرها مالك ، فيقول : إنها ” جاءت في أعقاب إحتجاب ( المنقذ ) ” (المصدر السابق ، ص 85) .

   وإشتغل تفكير مالك بموضوع النهضة الإسلامية ، وكان كتاب ” أم القرى ” الذي كتبه عبد الرحمن الكواكبي ، هو المصدر الثقافي الذي قرأه في هذه الفترة من حياته . وكان لأهمية هذا الموضوع ، ان أنكب التلميذ مالك مع زملائه على قراءة هذا الكتاب ” كله في ليلة ” (المصدر السابق ، ص 87) .

    لقد أحدث هذا الكتاب صدمة قوية في وعي مالك ، ووضعته أمام حقيقة جديدة وهي إن الإسلام أخذ بعداً مختلفاً عما كان عليه ، إسلام بدأ يبعث روحه من جديد . ويصف خطابه الثقافي المعرفي هذه اللحظة فيقول ” إن هذا الكتاب ترك فينا بسبب خصائصه الخيالية تأثيراً عجيباً … فقد عرفني بإسلام بدأ ينظم صفوفه ليدافع عن نفسه ويقوم بحركة بعث جديد . إنه كتاب خيالي لكنه معبر يحمل شعوراً بدأ يعقل في العالم الإسلامي على الأقل في بعض الأنفُس كالكواكبي ” (المصدر السابق ، ص 86 وما بعد) .

  وأخيرا فإن مالك قرأ أثناء وجوده في المدرسة الفرنسية كتابين مهمين من مصادر المعرفة العربية وهما ” مقدمة إبن خلدون ” و ” مروج المسعودي ” . غير إن القراءة لم تكن هذه المرة باللغة العربية وإنما كانت باللغة الفرنسية  . فقد عثر مالك في مكتبة المدرسة على ” كتاب ابن خلدون في ترجمة فرنسية قام بها ( سلفسترساي ) ومروج الذهب للمسعودي ” في ترجمة  ضاع أسم صاحبها من ذاكرة مالك لحظة تدوين كتابه ” مذكرات شاهد العصر ” (المصدر السابق ، ص 113) .

 لقد تركت هذه القراءة أثاراً واضحة ، وولدت نتائجاً في غاية الأهمية على الخطاب الثقافي المعرفي المالكي . ويتذكرمالك هذه المصادر وفعلها المؤثر ، فيشير الى أثرها مقيماً : أنها ” كانت كبيرة للغاية ” (المصدر السابق) . وكان مالك مسكوناً بروح التنقل والترحال ، ولذلك إندفع يقرأ كتب الأسفار والرحلات التي ألفها ابن بطوطة والمسعودي (المصدر السابق ، ص 187) . فكان الحاصل من هذه القراءة ، إن حركت في نفس مالك حب المغامرة والسفر .

  والخلاصة إن مصادر الثقافة العربية كانت حاضرة بحدود ما أمام أنظار مالك . وكان لها من الأثر في توجيه تفكيره وتمكين مالك من صياغة المعادل الفكري الذي يضبط التوازن داخل خطابه الثقافي المعرفي ، التوازن بين ثقافة الذات ( التراث ) وثقافة الغرب ( الآخر ) .

4 – حضور المصادر الثقافية المعرفية الغربية :

  يسعى هذا المبحث الى وضع إجابة عن السؤالين الأتيين : ما طبيعة المصادر الثقافية المعرفية الغربية التي إطلع عليها مالك وتشرب منها أفكاره التي صاغ على أساسها خطابه الثقافي المعرفي ؟ وماحجم الأثار التي تركتها في عمارة مالك الثقافية ؟ أولاً لابد من القول إن الفكر الديكارتي ومنهجيته كانا حاضرين في تفكير التلميذ مالك وزملائه وذلك من خلال الثقافات التي كان يقوم بترويجها الأساتذة الفرنسيون وخصوصاً ” مسيو مارتان ” الذي سبق الإشارة إليه .

  لقد قرأ مالك العديد من المصادر الغربية وفي حقول معرفية متنوعة ، فكان لها من الأثر في صياغة مركبه الثقافي وكان لها حضوراً في ذاكرة مالك . ومن هذه المصادر رائعة لامارتين “البحيرة” التي وصف ما تركته من أثار في تكوين إتجاهه الثقافي ، بقوله : ” جعلتنا نتعرف إلى لون جديد من الأدب الفرنسي تولى ترجمته أساتذة الأدب العربي المعاصرين . كان المنفلوطي سيد هذه المدرسة في ذلك الحين ” (المصدر السابق ، ص 68) .

   إتصل مالك بالثقافة الغربية من خلال قنوات متنوعة يسرت له الحوار الفكري وتبادل الخبرات المعرفية ، مما كان الحاصل من ذلك إنتقال مالك الى ساحة ثقافة وعقائد الأخر . والحقيقة إن هذا الانتقال مثمر فيه ما ينشط الحوار وإكتشاف الحقيقة ( أو الباطل ) بعيون هي ليست عيون الذات التي غالباً ما تكون منحازة لأسباب كثيرة . إلا إن في هذا الأنتقال خطورة إذا لم يواكبه على صعيد الذات المحاورة لثقافة الغرب ، فعل إستيعاب لمجمل فكرانية الأمة وتراثها ، فإن حركة تنقلها في ساحة الآخر غير مأمونة ومحفوفة بالمخاطر. حصيلتها الإنزلاق في دروب الفكرانية والثقافة المقابلة .

   إن الشاهد المالكي يبين لنا بإن مالكا إنتقل الى ساحة البعثات التبشيرية الإنجيلية ، فقد كان يتردد مع الزملاء بهدف إجراء المناقشات حول ما يسميه ” بعض الموضوعات ” . إن مالكاً يستعيد ذكرى هذه المناقشات ومن ثم يبين أثرها في خطابه الثقافي : فهو يخبرنا بانه تعرف في الارساليات و” لأول مرة على الإنجيل . كان النقاش يدور حول ألوهية السيد المسيح . وكان يشاركني فيه طالب علم في الشريعة قديم حفظ القرأن كله في زاوية ( بن سعيد ) ثم إعتنق فيما بعد البروتستانية على يد أمرأة إنكليزية يدعوها أهالي تبسة ( السيدة بينا ) . وهناك أيضاً تعرفت الى بعض تلامذة الشيخ ( إبن باديس ) الذين جاؤا أيضاً ليدافعوا عن الإسلام ” (المصدر السابق ، ص 73) .

    ويلاحظ القارئ إن مالكاً في هذه المرحلة من نموه الثقافي والمعرفي ، كان يتمتع بتفكير منفتح على الآخر ، وفيه قابلية للحوار وتبادل الأفكار ، وخصوصاً حول العقائد والثقافات الإنسانية . ولعل هذا الحال الفكري تكون بتأثير ما كان يحيط به من ثقافات غربية . إن مالكاً ذهب واصفاً هذا الحال الثقافي ، بأنه مرحلة قادته للشعور” بروابط قوية تشده الى تلك الفئة من الطلبة ، والتي تجعل من تفكيره وتفكير هؤلاء في إتجاه واحد ” (المصدر السابق) .

     ومن الطبيعي في ظل هذه المرحلة العمرية ، وفي أجواء هذه الظروف الدراسية ، وبرنامج التعليم ذو الثقافة المزدوجة ، إن عاش مالك مرحلة قلق فكري وعدم إستقرارعلى نمط ثقافي معين . ولذلك شهدت هذه المرحلة حركة تحول وإنقلاب من نمط ثقافي ينتمي الى الآخر ( الغرب ) الى نمط ثقافي مترشح من الذات  ( التراث العربي ) .  وقذ تذكر مالك هذه الحال وما صاحبها من قلق ثقافي ومعرفي . والأمثلة كثيرة غير إننا إنتخبنا مثالاً يعكس حالة القلق والتحول ، يقول مالك : ” كان إسم الشيخ ( اي إبن باديس ) قد بدأ يتردد في المدينة ، وتعرفي على بعض تلامذته جعلني أدرك إننا ننتمي الى عائلة فكرية واحدة ستسمى فيما بعد في الجزائر ( حركة الإصلاح ) (المصدر السابق ، 74) .

    لعبت الصحف التي قرأها مالك دوراً متميزاً في ضبط معادل الموازنة بين ثقافة الذات وثقافة الآخر . وهنا نود العودة الى إفادات مالك ، نتعرف من خلالها على حقيقة الصحف التي قرأها ، وبالتحديد الصحف التي تروج لثقافة الغرب . قرأ مالك في هذه المرحلة ، صحيفة ( الراية ) التي كان يصدرها ( دندان ) والتي كان يتلقاها والد مالك (المصدر السابق ، ص 83) . وهكذا توفرت فرصة لمالك ليقرأ هذه الصحيفة ويتزود منها بمادة معرفية ، سيكون لها أثرمحسوب في الوزن المعرفي لثقافة الآخر داخل مكونات الخطاب المالكي .

  إضافة الى الصحف التي قرأها مالك ، فأن مصادر ثقافية غربية أخرى لعبت دوراً مؤثراً في بنية الخطاب الثقافي المالكي . فعلاً فقد كان كتاب ” في ظلال الاسلام الدافئة ” الذي كتبته ايزابيل ايرهارت ، نقطة تحول في توجهات مالك الفكرانية نحو ثقافة الذات ، بعد شهادة غربية جاءت لصالح الإسلام . وعن أثر هذه الشهادة الغربية ، يفيد مالك قائلاً : ” لقد قرأت مراراً كتاب تلك المرأة المغامرة ( إيزابيل إيرهارت ) …. كنت أبكي (و)أنا أقرأ ذلك الكتاب المسمى (في ظلال الإسلام الدافئة) والذي عرفت فيه شاعرية الإسلام وحنين الصحراء ” (المصدر السابق ، ص 87) .

   إن هذه الإفادة التقويمية لكتاب في ظلال الإسلام الدافئة ، لها دلالاتها في فهم المسارات التي تكونت فيها ثقافة مالك . فالرجل لم يتعرف على الإسلام من خلال مصادر الذات . كما وإن دروسه في القرأن لم تمكنه من التعرف على حقيقة الإسلام . وإن دروس الشيخ عبد المجيد في مدرسة المنحة الفرنسية لم تضع الفرصة بيده . وكذلك فإن محاضرات الشيخ (مولود بن موهوب ) لم تكن كافية في هذا المضمار . وإن الذي نجح في تنمية معرفته بحقيقة الإسلام ، هو كتاب من خارج دائرة الذات ، هو كتاب في ظلال الإسلام الدافئة . إنها قضية تدعو الى النظر والدرس والتأمل ، وتتطلب بحثا مستقلا ، يهدف إنجاز دراسة مقارنة بين ما تتناوله مصادر الذات التي تتحدث عن الإسلام ، وبالتحديد إختيار عينة من مصادر الذات ، وبين ما قدمه كتاب في ظلال الإسلام الدافئة .

الدكتور محمد جلوب الفرحان

رئيس تحرير مجلة أوراق فلسفية جديدة

* نشرت في صحيفة الناس (البغدادية) العراق / العدد 82 الإثنين 22 أب 2011 / ص 8
المصدر: 
صحيفة الناس (البغدادية)
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

Image CAPTCHA
أدخل الرمز الموجود في الصورة.