الحج؛ من البعد الفردي إلى البعد الجماعي

الأحد, August 20, 2017
كاتب المقالة: 

فلنفترض أن خطاب التكليف بالحج {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ} [الحج: 22/27] موجه للفرد والجماعة معاً،إذ الجماعة لا تتحقق إلا بانضمام الأفراد بعضهم إلى بعض، وتقاطرهم من كل فج عميق لشهود الموعد المحدد لهم في الزمان والمكان، فما المنافع التي يجنيها الحاج فرداً، والحجاج جماعةً ومؤتمراً، والأمة الإسلامية الموفِدة لهم راعية لمؤتمرهم، والإنسانية من ورائهم باحثة لديهم عن سبل خلاصها وسعادتها، وطرق سموها وارتقائها؟!

وربما يروق للبعض أن يرى - عن سوء نية - في إخراج الحج من دائرة الفرد إلى دائرة الجماعة تجنياً وتزيداً وتحميلاً للنصوص أكثر مما تحتمل.. فما الحج في نظره غير طقوس دينية يؤديها على نحو جماعي أفراد اعتنقوا الإسلام ديناً، طلباً لنجاتهم الشخصية في الآخرة {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِىءٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ } [عبس: 80/34-37] .

وربما يروق للبعض أن يرى - عن حسن نية - في الخروج بالحج عن دائرته الفردية، إفراغاً لهذا النسك العظيم من هدفه التعبدي الخالص، فإنما هو عبادة فرضها الله تعالى على كل مسلم مستطيع، تسمو بها نفسه وتزكو روحه من خلال تأملاته الذاتية، وإخلاصه العبادة لخالقه وتفرغه له متخلياً عن جميع الشواغل من أهل ومال وولد ومعاملات وعلاقات دنيوية.

وليس يعنينا لحن القول من سيء النية بشيء، فالكل يعلم أن الإسلام ليس كالبوذية أو الكونفوشيوسية أو الهندوكية، وأنه لم يفرض على المسلم طقوساً مفرغة من معانيها، ولم يستهدف مجرد تعذيب النفس، إنما استهدف تهذيبها وترويضها لكي تخرج عن أنانيتها، وتندمجَ في الجماعة، تحسُّ بأحاسيسها،وتألم لآلامها،وتعملُ لرفعتها وعزتها، فلن يكتمل إيمان المسلم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، وحتى يكون لأخيه كالبنيان يشد بعضه بعضاً، وتنتفي صفة الإيمان عن المسلم الذي لا يأمن جاره بوائقه، والذي يكذب ويشهد الزور، ومن مشى في حاجة أخيه كان الله في حاجته، والمسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يحقره.

إنما الذي يعنينا المسلم - حسن النية - الذي يخاف على عبادته أن تحبط إن هو خرج بها عن دائرته الشخصية الذاتية، فلهذا المسلم المتبتل المتجه بوجهه إلى الله، المخلص عبادته لله أقول: لا تبتئس يا أخي!!

فهل أنت، حين تعتزم أداء فريضة الحج، إلا وريقة من وردة مترامية الأطراف ترنو إلى المركز تحنو عليه لترتشف من رحيقه ما تعود به إلى مواطنها حين تعود فتنتشر وتنتثر؟!

وهل أنت، حين تُحْرِمُ، متجرداً من ثيابك وسائر خصوصياتك ومراتبك، إلا رقم في تعداد الحجيج يباهي به رسول الله r الأمم يوم القيامة؟!

وهل أنت، حين تزج بنفسك في طاحونة الطواف حول الكعبة، إلا حبة قمح تندمج مع أخواتها، يتدافعن ويتمازجن في سبع طوفات، تَدِقُّ وتَدِقُّ حتى تتلاشى ذرات، تندلق من فتحة الحجر الأسود عند الخط الذي يمثل بوابة البدء والختام، تخرج مروَّضة مستساغة معطاءة مؤثِرة غير مستأثرة؟!

وهل أنت حين تلقي بنفسك في غمار السعي بين الصفا والمروة، إلا قطرة ماء في نهرٍ ما زال يجري من دون انقطاع منذ بدأته هاجر تبحث عن ماء يطفئ ظمأ رضيعها،وسيظل يجري إلى قيام الساعة؛ يبطئ حيناً ويسرع حيناً، لكن قطراته حاشا أن تجفَّ، وعلى ظهر الأرض إنسان يصغي إلى أذان إبراهيم؟!

وهل أنت في الحج، إزاء إخوانك الحجاج، إلا حبة رمل في بيداء عرفة، تجأرون إلى الله - على اختلاف ألسنتكم - بصوت واحد ولحن واحد: لبيك اللهم لبيك.

هل تستطيع أن تنأى بنفسك في هذه البيداء إلا بمقدار ما تناجي ربك، تسأله العافية لك ولمن يلوذ بك؟!

لست وحدك في الحج، بل أنت عضو في جماعة، وجزء من فريق، تعبدون الله مثنى وفرادى.. تجتمعون على العبادة، ثم يخلو كل منكم إلى نفسه ليرى أثر العبادة فيها، ويسأل الله تعالى القبول لها، وأن يكتبها له في ميزان حسناته، فلا يضرب بها وجهه يوم الحساب، إذا شابتها شائبة نفاق أو رياء.

من كتاب وللحج مقاصد لو نجتهد لتلبيتها !!

المصدر: 
دار الفكر-كتاب وللحج مقاصد لو نجتهد لتلبيتها!!
موضوع المقالة: 

معلومات المقالة