التدخين ورمضان مختلف

السبت, May 20, 2017
كاتب المقالة: 

يومان فقط؛ وندخل،شيباً وشباناً، في دورة تدريبية سنوية إلزامية؛ عنوانها التغيير.هل ثمة في حياة الإنسان المسلم؛تغيير يشمل يقظته ومنامَه،وطعامه وشرابه، وعاداتِه وسلوكَه ومعاملاتِه وعبادتَه؛ مثلُ رمضان؟!

يمسك قبيل الفجر فمه عن تناول أي شيء، بما في ذلك الدخان لمن يتعاطاه، حتى إذا حان وقت الإفطار، بعد وقت طويل قد يتعدى ست عشرة ساعة من الصوم، وتحلقت الأسرة حول المائدة؛ تُحدِّق بما فيها من أطباق شهية، تفوح منها روائحها الزكية؛ فلا تمتد يد إليها بانتظار لحظة الأذان!!

وثمة في صوم المسلم تغيير آخر، ناجم عن ارتباطه بالأشهر القمرية، التي تزحف به على كل فصول السنة، بحرِّها وبردها، وطول لياليها وقصرها، فتتركه في يقظة دائمة يتحرى حركة التوقيت اليومية لإمساكه وإفطاره، وفي شوق دائم لرمضان الشتاء إذا صامه في لظى الصيف، وتهيُّب دائم لرمضان الصيف حين يصومه في برد الشتاء!!

ورمضان في ضمير الإنسان المسلم هو الشهر (الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدَىً لِلنّاسِ) [البقرة 2/185] فكانت (اقرأ) أول كلمة نزل بها وحي السماء (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ.. اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ) [ العلق 96/1-4]. نزلت لتبني للإنسانية أول حضارة تنطلق من القراءة والعلم والتفكر، فهو يجتهد في رمضان في قراءة القرآن، وقراءة كل ما يدور حوله من علوم ومعارف.

ورمضان في ضمير المجتمع المسلم هو شهر التراحم والتلاحم، والتآلف والبر؛ تنصب له موائد الرحمن (يُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً) [الإنسان 76/8]، ويُحمل الطعام فيه إليهم في بيوتهم.

ورمضان هو الشهر الذي يرتقي فيه المسلم فوق كل شهوات الجسد.. يغض طرفه عن النظر إلى حرام، ويحفظ لسانه عن الخوض في غيبة أو نميمة، أو غمز أو لمز، ويمسك فمه عن الطعام والشراب؛ تجربة يومية تؤكد له قدرته على الاستغناء عن التدخين بإرادته الصلبة وعزيمته القوية، فيريح البيئة، كما يريح أصدقاءه المدخنين السلبيين، من نفثات دخانه طوال النهار وزلفاً من الليل.. أفلا واتته عزيمته لاتخاذ قراره الحازم بالفطام الدائم عن التدخين، والكف عن تلويث رئته وإنهاك سائر أعضائه تبعاً لها؟!

                                            ***

وهذه همسة في آذان المدخنين: لقد اتخذت البشرية قرارها بالانعتاق من التدخين، وإعلانه وباءً سرطانياً وخطراً يهدد الصحة العالمية، وتسابقت أمم متحضرة لمنعه على أراضيها، وأخرى اكتفت بتقييده تمهيداً لاتخاذ قرارات المنع.. وعلى المدخنين السلبيين؛ الأكثر تضرراً من تدخين المدخنين، أن يهبوا لتنظيم حملات اجتماعية توعوية شاملة، للامتناع الطوعي عن التدخين، بوصفه أصبح من مخلفات الماضي، ورمزاً من رموز التخلف، تمهيداً لإصدار الدولة قوانين المنع، فلا قيمة لقانون سلطوي ليس له أرضية ثقافية تذكي الحماس لتطبيقه في المجتمع!!

وها هو ذا رمضان؛ فرصة تتجدد سنوياً لنشر ثقافة القرف والتقزز من السيجارة والأركيلة وسائر وسال التدخين؛ مهما تزيت بأزياء الحضارة والتقدم، ومحاصرة المدخنين في أماكن للحجر الصحي خاصة بهم، كالمنبوذين!!

من سلسلة التغيير للأستاذ محمد عدنان سالم

الاثنين 15/06/2015

المصدر: 
دار الفكر
موضوع المقالة: 

معلومات المقالة